يدعو الإسلام المسلمين إلى نبذ الخصومة والمسارعة إلى الصلح، ويحذر من أن تتحول الخلافات إلى قطيعة وهجر وعداوة مستمرة، لأن بقاء النزاع يفسد القلوب ويحرم المتخاصمين من أبواب عظيمة للأجر، ويجعلهم عرضة للوقوع في اللدد والخصومة التي ذمها النبي صلى الله عليه وسلم.

 

كما يجعل الإسلام الإصلاح بين الناس خلقا عظيما ودليلا على صفاء النفس وسموها، ويدعو المتخاصمين إلى التنازل والعفو وقبول المبادرات الصادقة للمصالحة، لأن بقاء المجتمع متماسكا وتجاوز الجراح والمظالم خير من استمرار النزاع الذي يفتح أبواب الكراهية والتفكك ويمنح الشيطان مساحة للتحريش بين الناس.

 

الخصومة خلق مذموم

 

حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الخصومة واللجاج، فقال: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" رواه البخاري، رقم 2457.

 

والألد الخصم هو شديد الجدال والمنازعة، الذي يتمادى في خصومته ولا يقبل الحق بسهولة، وهذه الصفة إذا تمكنت من الإنسان أفسدت علاقاته بالناس، وجعلته سببا في نشر الشقاق بدلا من أن يكون بابا للخير والإصلاح.

 

وفي المقابل، رفع الإسلام من شأن من يبدأ بإنهاء الخصومة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" رواه البخاري، رقم 6077.

 

فالمبادرة إلى السلام ليست ضعفا ولا تنازلا عن الكرامة، وإنما هي دليل قوة النفس وطهارة القلب، لأن صاحبها يقدم رضا الله وجمع القلوب على حظوظ النفس والانتصار الشخصي.

 

الشيطان يؤجج الخلافات

 

إن استمرار الخصومات من المداخل التي يستغلها الشيطان لتفريق المتحابين، وإفساد العلاقات بين أفراد الأسرة والأصدقاء وأبناء المجتمع، وقد حذر الله تعالى من عداوته فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].

 

والعاقل هو من يدرك أن الخصومة الطويلة لا تحفظ حقا بقدر ما تفتح أبوابا جديدة للألم، ولذلك يسعى إلى تجاوز الجراح، والعفو عمن ظلمه، وإعطاء من حرمه، قدر استطاعته، رغبة في مرضاة الله وإغلاق أبواب الفتنة.

 

والتنازع لا يقف ضرره عند حدود شخصين، بل قد يؤدي إلى تمزق الأسر والمجتمعات، وإضعاف روابطها، وتحويل الخلافات الصغيرة إلى أحقاد ممتدة بين الإخوة والآباء والأبناء.

 

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حرص الشيطان على هذا الباب، فقال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" رواه مسلم، رقم 2812.

 

فإذا أدرك المسلم أن الشيطان يفرح باستمرار خصومته، كان من الأولى أن يغلق عليه هذا الباب، وألا يسمح للغضب والكبرياء بأن يمنعاه من قبول الصلح أو المبادرة إليه.

 

دع للصلح موضعا

 

ومن جميل ما روي في هذا الباب موقف عمر بن ذر، حين شتمه رجل فقال له: "يا هذا، لا تغرقن في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه" كما ورد في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني.

 

وهذه الكلمات تلخص منهجا عظيما، وهو ألا يغلق الإنسان كل أبواب العودة أثناء الغضب، وألا يسترسل في الإساءة حتى يصبح الصلح بعد ذلك عسيرا، بل يترك دائما مساحة للرجوع والتسامح واستعادة المودة.

 

فكثير من الخصومات تستمر لأن كل طرف يريد أن ينتصر كاملا، بينما قد يكون التنازل عن جزء من الحق أحيانا سببا في حفظ حقوق أكبر، وعلى رأسها حق الأخوة وصلة الرحم ووحدة الأسرة.

 

التنازل يصنع المصالحة

 

وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التنازل الذي ينهي النزاع في قصة كعب بن مالك مع خصمه حين ارتفعت أصواتهما، حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامهما وهو في بيته، فخرج إليهما.

 

ونادى النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك فقال: "يا كعب"، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم فاقض" رواه البخاري، رقم 2710.

 

ويظهر من هذا الموقف أن التنازل عن بعض الحق من أجل إنهاء الخصومة قد يكون بابا عظيما للمعروف، خاصة إذا كان يؤدي إلى إطفاء الغضب وإعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح.

 

وليس المقصود أن يتنازل الإنسان دائما عن كل حقوقه، وإنما أن يوازن بين حقه وبين المصلحة الأكبر، وأن يدرك أن بعض التنازل الاختياري قد يمنع خسائر أكبر في الدين والأسرة والمجتمع.

 

الحسن ونموذج حقن الدماء

 

ومن أعظم المواقف التي سجلها التاريخ الإسلامي في الإصلاح تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فاجتمع المسلمون بعد فرقة، وسمي ذلك العام بعام الجماعة.

 

ولم يكن الحسن رضي الله عنه عاجزا عن الاستمرار في النزاع، بل كانت معه قوة وكتائب عظيمة، ومع ذلك اختار الصلح وحقن الدماء وتقديم مصلحة الأمة على الملك والسلطان.

 

وقد تحقق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين" رواه البخاري، وورد في فتح الباري برقم 2704.

 

فكان تنازل الحسن رضي الله عنه نموذجا خالدا في أن الشرف الحقيقي ليس دائما في التمسك بالموقع أو المكسب، وإنما قد يكون في التضحية به عندما يكون ذلك سببا في حفظ الدماء وجمع الكلمة.

 

المصالحة عبادة وأجر

 

إن قبول الصلح ليس هزيمة، كما أن الاعتذار ليس نقصا، والمبادرة بالسلام لا تسقط هيبة الإنسان، بل قد تكون هذه الأعمال من أعظم دلائل الإيمان وقوة الشخصية، لأنها تحتاج إلى انتصار الإنسان على غضبه وكبريائه.

 

فمن كانت بينه وبين أخيه خصومة، ثم جاءه من يسعى للإصلاح، فليتق الله ولا تمنعه العزة بالإثم من الاستجابة، وليجعل رضوان الله ومصلحة الأسرة والمجتمع مقدمة على حظ النفس.

 

ومن كان قادرا على بدء السلام فليبادر، ومن استطاع العفو فليعف، ومن أمكنه التنازل عن بعض حقه لإصلاح ما بينه وبين أخيه فليفعل، وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".

 

فما أجمل أن يلقى المسلم ربه بقلب خال من الأحقاد، وأن يعيش بين أهله وإخوانه ناشرا للسلام والإصلاح، لا للخصومات والقطيعة، وأن يجعل من حياته بابا لجمع القلوب وحقن الدماء وإغلاق طرق الشيطان.

........................

المراجع:

- العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية، علي محمد الصلابي، ص 13-14.
- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصفهاني.
- البداية والنهاية لابن كثير.
- إصلاح ذات البين في ضوء الشريعة الإسلامية، كامل أحمد القاض.