فتح قرار الرئيس السوري أحمد الشرع تعيين القائد السابق لـ«قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، الباب أمام مرحلة جديدة في شمال وشرق سوريا، وسط تساؤلات حول قدرة الخطوة على تعزيز الأمن والاستقرار وإنهاء سنوات من الانقسام العسكري والإداري، خصوصاً أنها جاءت بعد أيام قليلة من إعلان حل «قسد» واندماجها في مؤسسات الدولة السورية.
ويمنح انتقال عبدي من قيادة قوة عسكرية تمتعت بنفوذ واسع في شمال شرقي البلاد إلى موقع داخل مؤسسة الرئاسة دلالة تتجاوز التعيين الوظيفي، إذ يمكن أن يشكل قناة مباشرة بين دمشق والمناطق التي كانت خاضعة لـ«الإدارة الذاتية»، ويساعد في معالجة ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالسلاح والأمن والإدارة والموارد والوجود العسكري السابق لـ«قسد».
وأصدر الشرع، الخميس 27 أغسطس 2026، المرسوم رقم 164 الذي قضى بتعيين مصطفى خليل عبدي، المعروف باسم مظلوم عبدي، مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، بعد يومين من إعلان عبدي حل «قسد» كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة.
لكن نجاح التعيين في إنتاج استقرار حقيقي لن يتوقف على وجود عبدي في دمشق وحده، بل على قدرته والحكومة السورية على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات ميدانية، وضمان عدم بقاء مجموعات مسلحة أو هياكل أمنية وإدارية تعمل بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة.
ترحيب كردي وعربي بالخطوة
قوبل القرار بترحيب من شخصيات سياسية واجتماعية كردية وعربية رأت في تعيين عبدي فرصة لتقريب وجهات النظر وتسريع عملية الاندماج بين مؤسسات الدولة والهياكل التي كانت قائمة في شمال وشرق سوريا.
وقال السياسي السوري الكردي عبد الكريم عمر، الذي شغل سابقاً منصب ممثل «الإدارة الذاتية» في دمشق، إنه ينظر بإيجابية إلى التعيين، معتبراً أنه قد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الحوار والتفاهم بين مختلف الأطراف.
ويرى عمر أن وجود شخصية تتمتع بنفوذ وعلاقات واسعة في شمال وشرق سوريا داخل موقع استشاري في الرئاسة يمكن أن يساعد على بناء الثقة وتوسيع قنوات التواصل بشأن الملفات الوطنية، خصوصاً إذا اقترنت الخطوة بحوار سياسي جاد وتفاهمات تحافظ على حقوق جميع مكونات المنطقة في إطار وحدة الدولة السورية.
كما رحب مدير «الرابطة السورية لحقوق اللاجئين» الشيخ مضر حماد الأسعد بالقرار، معرباً عن أمله في أن تتسارع عملية الاندماج بما يعزز الأمن والاستقرار في الحسكة ومحيطها، وينعكس لاحقاً على الأوضاع في سوريا بصورة عامة.
ويكتسب هذا الترحيب أهمية خاصة لأن محافظة الحسكة تضم تركيبة اجتماعية متنوعة من العرب والكرد ومكونات أخرى، ما يجعل الاستقرار فيها مرتبطاً ليس فقط بإعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية، وإنما أيضاً ببناء توافق مجتمعي يخفف آثار سنوات التوتر والانقسام.
الاندماج يواجه اختبار السلاح
ويأتي تعيين عبدي ضمن مسار بدأ قبل عدة أشهر بين دمشق وقيادة «قسد»، وتضمن مفاوضات بشأن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية التي كانت تديرها «الإدارة الذاتية» في مؤسسات الدولة السورية، وصولاً إلى إعلان حل «قسد» في 25 أغسطس واندماج تشكيلاتها بشكل كامل.
ويعتبر رئيس «رابطة المستقلين السوريين الكرد» عبد العزيز تمو أن التأثير الحقيقي للتعيين سيقاس بقدرة عبدي على التأثير في المجموعات المسلحة والتنظيمات التي كانت تعمل ضمن المنظومة السابقة، وضمان التزامها بإنهاء وجودها المستقل والخضوع لسلطة مؤسسات الدولة.
وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام المسار الجديد؛ فحل التنظيمات بقرار سياسي يختلف عن تفكيك بنيتها العسكرية والأمنية فعلياً، وتسليم المقرات والأسلحة ودمج الأفراد في مؤسسات الدولة وفق قواعد موحدة.
كما أن الملف لا يتعلق بالقوات العسكرية فقط، وإنما بالمعابر الحدودية والدوائر الرسمية والموارد النفطية والغازية والأجهزة الأمنية والإدارات المحلية، وهي ملفات كان بعضها يمثل مصدر خلاف بين دمشق و«الإدارة الذاتية» طوال السنوات الماضية.
ومن ثم فإن تعيين عبدي قد يمنح دمشق شخصية قادرة على التواصل مع القيادات والأفراد الذين عملوا تحت قيادته، إلا أن نجاح ذلك يظل مرهوناً بالتزام هذه التشكيلات على الأرض وبقدرة مؤسسات الدولة على استيعاب عملية الدمج دون حدوث فراغ أمني أو احتكاكات جديدة.
الاستقرار أبعد من الحل العسكري
ولا يقتصر اختبار المرحلة المقبلة على إغلاق ملف «قسد» عسكرياً، إذ تواجه مناطق شمال وشرق سوريا تحديات اجتماعية واقتصادية متراكمة تحتاج إلى معالجة متوازية إذا كان الهدف الوصول إلى استقرار طويل الأجل.
ويطالب مضر حماد الأسعد بأن يترجم الاندماج إلى خطوات ميدانية تشمل تسليم الدوائر الرسمية للدولة، ومعالجة ملفات المعتقلين والمفقودين، وإنهاء أي انتشار عسكري خارج المؤسسات الرسمية، باعتبار أن استمرار الحواجز أو الاعتقالات من جهات غير منضوية بالكامل في أجهزة الدولة قد يعيد التوتر بين السكان.
وتكتسب الحسكة أهمية اقتصادية كبيرة لما تمتلكه من أراضٍ زراعية وموارد نفطية وغازية، وبالتالي فإن استعادة الاستقرار قد تفتح الطريق أمام إعادة تأهيل البنية التحتية واستئناف المشروعات الزراعية والصناعية والطاقة، إضافة إلى تشجيع عودة النازحين واللاجئين.
وفي المقابل، فإن استمرار الخلافات حول توزيع السلطة المحلية أو بقاء السلاح خارج المؤسسات الرسمية قد يحول التعيين إلى خطوة سياسية رمزية لا تكفي وحدها لتغيير الواقع.
ويشير إعلان عبدي نفسه عند حل «قسد» إلى الرغبة في الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار والبناء، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة اختباراً عملياً للفارق بين الاتفاقات السياسية وتنفيذها ميدانياً.
وبذلك، قد يشكل تعيين مظلوم عبدي مستشاراً رئاسياً أحد أهم الجسور بين دمشق وشمال وشرق سوريا، لكنه ليس ضمانة تلقائية للاستقرار. فالنتيجة ستعتمد على اكتمال اندماج المؤسسات والقوات، وحصر السلاح بيد الدولة، ومعالجة الملفات الحقوقية والاجتماعية، وخلق صيغة تضمن مشاركة مختلف المكونات المحلية.
وإذا تحولت هذه العناصر من اتفاقات على الورق إلى واقع، فقد يكون تعيين عبدي بداية فعلية لمرحلة أكثر استقراراً؛ أما إذا تعثرت، فسيظل القرار خطوة سياسية كبيرة دون ترجمة أمنية كاملة.

