توفي راتكو ملاديتش، القائد العسكري السابق لصرب البوسنة، عن 84 عامًا في لاهاي خلال قضائه عقوبة السجن المؤبد بعد إدانته بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. لكن رحيل الرجل الذي ارتبط اسمه بمذبحة سربرنيتسا وحصار سراييفو لا يغلق صفحة المأساة؛ إذ تعود ذكريات آلاف الضحايا إلى الواجهة، فيما تكشف مظاهر الاحتفاء به في بعض الأوساط الصربية أن إنكار الجريمة وتمجيد مرتكبيها ما زالا يهددان ذاكرة البوسنة ومستقبلها.
مات في قبضة العدالة
أكدت الآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحاكم الجنائية التابعة للأمم المتحدة وفاة ملاديتش أثناء تلقيه العلاج في لاهاي، وأعلنت فتح تحقيق كامل في ملابسات الوفاة وفق قواعد الاحتجاز والإجراءات الهولندية. وكان الرجل يقضي حكمًا بالسجن المؤبد منذ إدانته عام 2017، وهو الحكم الذي ثبّتته دائرة الاستئناف عام 2021.
قبل وفاته بأيام، حاول فريق دفاعه وعائلته الحصول على إفراج مبكر لأسباب إنسانية، مستندين إلى تدهور حالته الصحية. غير أن القضاء الدولي رفض الطلب، ليبقى ملاديتش في قبضة المؤسسة التي أدانته حتى النهاية. لم يكن ذلك انتقامًا، بل نتيجة لمسار قضائي طويل انتهى إلى تثبيت مسؤوليته الشخصية عن بعض أبشع الجرائم التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
بدأت رحلة الملاحقة بعد سنوات من التواري عن الأنظار عقب انتهاء الحرب البوسنية. أُلقي القبض عليه في صربيا عام 2011، ونُقل إلى لاهاي لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. وفي نوفمبر 2017، صدر الحكم الذي وضع توصيفًا قانونيًا واضحًا لجرائمه: إبادة جماعية في سربرنيتسا، واضطهاد وإبادة وقتل وترحيل وأفعال لا إنسانية، إلى جانب الإرهاب والهجمات غير القانونية على المدنيين واحتجاز رهائن.
سربرنيتسا لا تموت
في يوليو 1995، دخلت قوات صرب البوسنة بقيادة ملاديتش مدينةسربرنيتسا، التي كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها «منطقة آمنة». فصلت القوات الرجال والفتيان البوشناق عن النساء والأطفال، ثم أعدمت نحو ثمانية آلاف مسلم بوسني خلال أيام. لم تكن الواقعة مجرد معركة أو تجاوز عسكري، بل عملية قتل جماعي منظمة صنفتها المحاكم الدولية إبادة جماعية.
لا يزال أثر تلك الأيام حاضرًا في بوتوتشاري، حيث تصطف آلاف الشواهد البيضاء لضحايا لم تكن عائلاتهم تبحث عن انتصار سياسي بقدر ما تبحث عن حق بسيط: الاعتراف بما جرى، ومعرفة مصير المفقودين، وضمان ألا يعاد إنتاج الجريمة تحت شعارات قومية جديدة.
كما ارتبط ملاديتش بحصار سراييفو الذي امتد قرابة أربع سنوات. عاش المدنيون تحت القصف والقنص، وسقط آلاف القتلى بينما كانت المدينة محاصرة ومعزولة. هذه الوقائع هي التي جعلت من اسم ملاديتش رمزًا لسياسة التطهير العرقي، لا قائدًا عسكريًا عاديًا يمكن فصل سيرته عن آثارها.
وفاته في السجن لا تعيد أبًا قُتل، ولا تكشف تلقائيًا مصير كل مفقود، ولا تمحو عقودًا من الخوف والتهجير. لكنها تنهي مسار رجل أدين علنًا أمام محكمة دولية، بعد أن حاول سنوات الإفلات من المحاسبة. وهذه النقطة تظل مهمة لعائلات الضحايا: لم يمت هاربًا أو بلا حكم، بل مات وهو يقضي العقوبة التي فرضتها العدالة الدولية.
إرث الكراهية مستمر
المشهد الذي أعقب إعلان الوفاة كشف أن القضية لا تتوقف عند شخص ملاديتش. ففي مدن بصربيا وكيان جمهورية صرب البوسنة، خرج مؤيدون يحملون صوره وأعلام جيش صرب البوسنة، بينما عبّر مسؤولون صرب عن رغبتهم في تنظيم مراسم دفن تليق بما وصفوه برتبه وأوسمته. هذا الاحتفاء لا يغير حقائق الأحكام القضائية، لكنه يوضح حجم المشكلة الأخطر: استمرار محاولات تحويل مدان بالإبادة إلى بطل قومي.
بالنسبة للناجين وأمهات سربرنيتسا، لا يكمن الألم فقط في الماضي، بل في رؤية الأفكار التي مهّدت للقتل ما زالت تجد من يبررها أو يلمعها. فتمجيد المسؤولين عن الجرائم يجرح عائلات الضحايا، ويقوّض أي مصالحة حقيقية، ويبعث برسالة خطرة إلى الأجيال الجديدة مفادها أن القومية المتطرفة يمكن أن تُغفر أو تُكافأ.
إن العدالة الجنائية لا تستطيع وحدها إصلاح مجتمع مزقته الحرب. الحكم على ملاديتش كان خطوة حاسمة، لكنه لا يعوض ضرورة مواجهة الحقائق داخل المجتمعات التي خرجت من الحرب. الاعتراف بالإبادة، وتعليم الوقائع التاريخية، ورفض خطاب الكراهية، واحترام ذاكرة القتلى؛ كلها شروط لا غنى عنها لمنع تكرار المأساة.
رحل ملاديتش من لاهاي، لكن سربرنيتسا باقية بوصفها اختبارًا للضمير الأوروبي والعالمي. والدرس الأكثر قسوة ليس أن مجرم حرب قضى عقوبته خلف القضبان، بل أن الجرائم لا تنتهي بوفاة مرتكبيها ما دامت الأفكار التي صنعتها تجد من يتبناها.

