تمسك وزارة النقل بالمضي في إنشاء شبكة القطار الكهربائي السريع، رغم الجدل حول قدرة وسائل النقل الكهربائية الجديدة على جذب أعداد كبيرة من الركاب، لتفتح الخطة مجددا سؤال الجدوى والتكلفة والأسعار قبل اكتمال التشغيل.
وتستعد الوزارة لبدء التشغيل التجريبي لقطاع من الخط الأول، السخنة العلمين مطروح، في أوائل أكتوبر، على أن يبدأ التشغيل بالركاب بعد استكمال الاختبارات الفنية والتأمينية، فيما تمتد الشبكة المخططة لنحو 2250 كيلومترا.
وبحسب تصريحات وزير النقل كامل الوزير، فإن أسعار تذاكر القطار السريع ستكون أقل كثيرا من الطيران، وقريبة من تكلفة السيارة الخاصة أو الأتوبيس المكيف، بينما ستطرح التذاكر الإقليمية بأسعار تستهدف شرائح أوسع.
غير أن المقارنة التي تطرحها الوزارة لا تحسم وحدها سؤال الإقبال، لأن الراكب العادي لا يقارن التذكرة بالطيران فقط، بل يقارنها بالميكروباص والقطار التقليدي والأتوبيس، وبما يدفعه يوميا من دخله المحدود.
لذلك تبرز تجربة القطار الكهربائي الخفيف بوصفها اختبارا مبكرا، إذ طرحت الجهات المشغلة اشتراكات وتخفيضات لمحاولة زيادة الاستخدام، بينما ظل النقاش قائما حول قدرة المشروعات الجديدة على الوصول إلى الكتل السكانية الأكبر.
كذلك تتدرج أسعار القطار الكهربائي الخفيف الحالية بحسب عدد المحطات، مع اشتراكات شهرية مخفضة، وهو ما يعكس أهمية السعر في تثبيت الراكب المنتظم، لا مجرد جذب مستخدمين للتجربة.
الجدوى قبل السرعة
وبحسب الدكتور أسامة عقيل، أستاذ هندسة النقل بجامعة عين شمس، فإن تقييم مشروعات النقل لا ينبغي أن يتوقف عند التكنولوجيا، وإنما يرتبط بتكلفة نقل الراكب والمسافة وحجم الطلب المتوقع.
ويحذر عقيل في تصريحات سابقة من أن المشروعات مرتفعة التكلفة تحتاج إلى دراسة دقيقة لأولويات النقل، مشيرا إلى أن كلفة الإنشاء والتشغيل يجب أن تقاس بالعائد الفعلي وعدد المستفيدين.
وعلى الجانب الآخر، يرى الدكتور حسن مهدي، أستاذ النقل والطرق بجامعة عين شمس، أن القطار الكهربائي الخفيف والسريع يمثلان جزءا من منظومة نقل متكاملة، ويرتبط نجاحهما بخدمة المدن الجديدة.
وفي المقابل، يظل رهان الخدمة على المدن الجديدة محفوفا بمشكلة أساسية، هي أن كثافة السكان والاستخدام الفعلي لا تتساوى دائما مع حجم الاستثمارات المنفذة، ما يجعل توقيت إنشاء الخطوط عاملا حاسما.
علاوة على ذلك، فإن الوزارة لا تقدم الشبكة باعتبارها وسيلة ركاب فقط، بل تربطها بالموانئ والمناطق الصناعية ونقل البضائع، بما يعني أن قياس الجدوى يفترض احتساب العائد الاقتصادي إلى جانب إيرادات التذاكر.
وبناء على ذلك، يصبح انخفاض سعر التذكرة شرطا مهما لكنه ليس كافيا، إذ يحتاج الراكب أيضا إلى محطة قريبة، وربط سريع بوسائل النقل المحلية، ومواعيد منتظمة، وزمن رحلة يوفر فعليا ما يدفعه من مال.
ومن ثم، فإن القطار السريع قد ينجح في جذب المسافرين بين المحافظات إذا قدم فارقا واضحا في الزمن والراحة، لكن النجاح سيظل مرتبطا بقدرة التسعير على منافسة السيارات والأتوبيسات دون عبء يومي.
الراكب يدفع فاتورة المشروع
في المقابل، يلفت الدكتور عبدالله أبو خضرة، أستاذ النقل والطرق، إلى الأهمية الاقتصادية للشبكة في ربط الموانئ ودعم نقل البضائع، معتبرا أن البنية الجديدة يمكن أن تضيف طاقة كبيرة لمنظومة النقل.
وبينما يركز أبو خضرة على دور الشبكة في نقل الركاب والبضائع وربط الموانئ، يبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقا بكيفية توزيع التكلفة بين الدولة والراكب، خصوصا مع ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة.
كذلك فإن توسع الشبكة إلى ثلاثة خطوط بطول يقارب 2000 كيلومتر يرفع حجم الالتزامات المطلوبة للتشغيل والصيانة، ويجعل الاعتماد على كثافة ركاب مرتفعة أمرا ضروريا حتى لا تتحول البنية الجديدة إلى تكلفة مستمرة.
وفي الوقت نفسه، تكشف تجربة وسائل النقل الكهربائية الجديدة أن الحداثة لا تضمن وحدها تغيير سلوك الركاب، فالانتقال من وسيلة إلى أخرى يحتاج إلى فارق محسوس في السعر أو الزمن أو الراحة أو الاعتمادية.
ومن جهة أخرى، فإن رفع الأسعار في وسائل النقل التقليدية قد يدفع بعض المواطنين إلى الخيارات الكهربائية، لكنه لا يعني تلقائيا انتقالهم إليها، خصوصا إذا ظلت تكلفة الوصول إلى المحطة أو الرحلة الإجمالية مرتفعة.
وبالتالي، فإن اختبار القطار السريع يبدأ قبل التشغيل التجاري، من خلال تحديد الشرائح المستهدفة ومسارات الرحلات الأكثر طلبا، ثم بناء هيكل أسعار يسمح للموظف والطالب والأسرة والمسافر باستخدامه بصورة منتظمة.
كذلك قد لا تكون المقارنة مع تكلفة السيارة الخاصة كافية للأسرة التي تسافر معا، إذ يمكن أن تصبح السيارة أكثر جاذبية عندما تتوزع تكلفتها على عدة أفراد وتتيح انتقالا من الباب إلى الباب.
الاختبار يبدأ بعد التشغيل
ولزيادة الإقبال، تحتاج الوزارة إلى ربط المحطات بشبكات النقل المحلية، وتوفير اشتراكات واقعية، وتقديم شرائح سعرية واضحة، لأن الراكب لا يشتري السرعة وحدها، وإنما يشتري رحلة كاملة تبدأ من منزله وتنتهي عند وجهته.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الشبكة الجديدة تحمل أهدافا تتجاوز نقل الأفراد، خصوصا في ربط الموانئ والمناطق الصناعية والعمرانية، وهو ما قد يرفع جدواها الاقتصادية حتى إذا لم تحقق أعلى معدلات إشغال للركاب.
وبحسب المعطيات المعلنة، تستهدف الوزارة تشغيل القطاع الأول تجريبيا قبل بدء الخدمة بالركاب، ما يعني أن اختبار الأداء الفعلي والأسعار وأعداد المستخدمين سيظل المرحلة الأهم للحكم على قدرة المشروع على جذب الطلب.
وفي النهاية، لا تبدو المشكلة في وجود قطارات أسرع وأكثر تطورا، وإنما في ضمان ألا تسبق الاستثمارات الكبيرة قدرة المواطنين على استخدامها، وألا يصبح ضعف الإقبال سببا في زيادة الأسعار لتعويض تكاليف التشغيل.
وتظل الحقيقة هي بناء شبكة حديثة تخدم الطبقات العليا وليس المواطن البسيط وتحول كثافة المشروعات دون قياس الطلب الحقيقي قبل التوسع.

