يستقبل التعليم الحكومي العام الدراسي الجديد بعجز يقترب من نصف مليون معلم، بينما تُحمّل الوزارة الفصول المزدحمة بنظام حضور وتقييمات متتابعة، ما يهدد بتحويل الانضباط المعلن إلى أوراق يصعب تدريسها وتصحيحها.
وتكشف بيانات الوزارة أن العجز كان يتجاوز 460 ألف معلم، فيما حددته نقابة المهن التعليمية بنحو 470 ألفا، وهي فجوة لا تمحوها إعادة توزيع العاملين أو الاستعانة المؤقتة بمعلمي الحصة.
وفي المقابل تعلن الحكومة رفع الحضور من 15 إلى 87 بالمئة، وخفض متوسط كثافة الابتدائي من 63 طالبا إلى 41 طالبا خلال عامين، لكن المتوسطات لا تصف كل مدرسة حكومية.
فجوة تسدها العقود المؤقتة
بدايةً، لا يعني وجود معلم على قوة مديرية تعليمية أنه يسد احتياج الفصل، لأن الأزمة موزعة بين تخصصات ومراحل وقرى بعينها، بينما قد يظهر فائض إداري أو تخصصي في أماكن أخرى.
ووفقاً لخلف الزناتي نقيب المعلمين، تجاوز العجز 470 ألف معلم، ولا سيما في الابتدائي ورياض الأطفال، ما يجعل تسريع مسابقات التعيين ضرورة عاجلة تتقدم على الحلول المؤقتة وتمديد الخدمة وحده.
كذلك تعتمد الخطة الحكومية على تعيين 30 ألف معلم سنويا، لكن هذا المعدل يحتاج سنوات لملاحقة الفجوة القائمة، قبل احتساب المحالين إلى المعاش والزيادة السنوية في أعداد التلاميذ وافتتاح فصول جديدة.
وفوق ذلك لجأت الوزارة إلى معلمي الحصة ومد الخدمة لبعض المعلمين وإعادة توزيع المدرسين، وهي أدوات تمنع انهيارا فوريا في الجدول، لكنها لا توفر دائما استقرار الوظيفة أو التدريب أو التخصص المطلوب.
ومع استمرار التقاعد، تفقد المدارس خبرات متراكمة بوتيرة لا تعوضها المسابقات المتقطعة، كما أن شروط التقديم وطول الإجراءات واستبعاد متقدمين في مراحل الاختبار تقلص الأثر الفعلي للأعداد المعلنة قبل وصولها للفصول.
لهذا تظهر الأزمة يوميا في إسناد أكثر من مادة للمعلم، وضم مجموعات، وزيادة الأنصبة، وانتقال المدرس بين مدارس، بما يقلل وقت التحضير والمتابعة الفردية ويجعل سد الخانة مقدما على جودة التدريس.
وعليه لا تكفي حصيلة مركزية لعدد المعلمين الجدد، لأن القياس الأدق يبدأ من احتياج كل مدرسة وكل مادة، ثم يطابق التعيينات مع الخريطة الفعلية بدلا من إعلان رقم إجمالي يوحي بانتهاء المشكلة.
المتوسطات تخفي الفصول المكدسة
أما الكثافة، فقد قالت الوزارة إنها استحدثت 98 ألف فصل باستخدام الفراغات وإعادة تنظيم المباني، وحددت سقفا لا يتجاوز 50 طالبا، غير أن تحويل الفراغ إلى فصل لا يخلق معلما إضافيا.
وبحسب كمال مغيث الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، تمثل الكثافة قضية مركزية تحتاج رفع موازنة الأبنية التعليمية وحلولا جذرية، لأن الاعتماد على ترتيبات مؤقتة لا يعالج نقص المدارس والموارد البشرية معا.
لكن المتوسط القومي يخفي فروقا حادة بين المحافظات والأحياء، فقد تنخفض الكثافة في مدرسة ريفية وتبقى مرتفعة في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية، فتبدو الصورة العامة أفضل مما يراه التلميذ داخل فصله.
وفي الوقت نفسه يزيد تقسيم اليوم أو تدوير الفراغات عدد الفصول، لكنه قد يقصر زمن الحصة ويضغط الجدول ويضاعف المرور على المعلم نفسه، خصوصا حين يكون العجز في مادة أساسية.
وبالمثل يصبح رقم 41 طالبا في الابتدائي مؤشرا ناقصا إذا لم يقترن بمساحة الفصل والتهوية وعدد المقاعد وحضور معلم متخصص، فالكثافة التعليمية ليست عددا مجردا بل قدرة فعلية على الشرح والمتابعة.
ثم إن حضور 87 بالمئة، وفق الأرقام المعلنة، يضيف ملايين المقاعد المشغولة يوميا بعدما كانت المدارس شبه خالية، وهو تحسن مطلوب لكنه يرفع فورا عبء التدريس والانضباط والتصحيح على طاقم ناقص أصلا.
ومن هنا يصطدم إلزام الحضور بواقع لا يقدم دائما تعليما مقنعا داخل المدرسة، فإذا غاب معلم المادة أو ضاق وقت الشرح، يتحول وجود الطالب إلى تسجيل إداري وتبقى الدروس الخصوصية بديلا موازيا.
اختبارات فوق طاقة المعلمين
بالانتقال إلى التقييم، فرضت الوزارة أعمالا أسبوعية وشهرية وواجبات ونشاطا صفيّا بهدف متابعة التحصيل وربط الدرجات بالحضور، غير أن نجاح الفكرة يفترض معلما يملك وقتا كافيا للشرح والتصحيح وتقديم تغذية راجعة.
ويرى محمد كمال الخبير التربوي أن الحضور تحسن لكنه لم يبلغ النسبة المعلنة، خصوصا في الثانوي والتعليم الفني، ويدعو إلى مراجعة التكليفات لأنها لا تستند دائما إلى تقييم تربوي منضبط.
ومع ذلك قد يواجه معلم واحد عدة فصول تضم مئات الطلاب، فيصبح مطالبا بإعداد اختبارات وواجبات متعددة وتصحيحها ورصدها أسبوعيا، إلى جانب الشرح والانضباط، فتتحول المتابعة الفردية إلى مهمة شبه مستحيلة.
إضافةً إلى ذلك تدفع كثرة الأوراق بعض المدارس إلى تطبيق شكلي، عبر إجابات موحدة أو تصحيح سريع أو نقل الدرجات دون تحليل، وهو ما يفرغ التقييم التكويني من غرضه ويكافئ الحضور الورقي.
فيما يتحمل التلاميذ وأسرهم تكلفة تصوير أوراق التقييم وملاحقة واجبات متكررة، وتتسع الضغوط حين تختلف تعليمات المدارس والمعلمين، بينما لا تضمن كثرة الاختبارات تشخيص الضعف أو علاجه داخل فصل مزدحم.
رغم ذلك يمكن للتقييم المستمر أن يكشف مبكرا جوانب الضعف، بشرط تخفيف عدد المهام وتوحيد غاياتها ومنح المعلم وقتا للتصحيح، وربط النتائج بخطة علاج حقيقية لا بمجرد درجات تضاف إلى سجل الطالب.
في المحصلة يتطلب ضبط الحضور تعليما يستحق الحضور، ويحتاج خفض الكثافة إلى مبان ومعلمين معا، أما سد العجز فيبدأ بتعيينات دائمة عادلة ورواتب أكثر جاذبية وتوزيع شفاف يراعي التخصص والموقع.
وأخيرا يدخل العام الدراسي تحت اختبار واضح، فإما نشر بيانات مفصلة عن العجز والكثافات والحضور ونتائج التقييم بكل محافظة، وإما بقاء الأرقام الكبرى ستارا يحجب مدارس تدير نقصها بالحصص والضم والورق.

