كشفت تقارير عبرية حديثة خيوط محور أمني واسع تلتقي أطرافه على نحو واضح في تل أبيب، بعدما نسبت إلى عبد الرحيم دقلو زيارات سرية متكررة خلال سنوات الحرب السودانية الثلاث الأخيرة.
وتضع هذه المعلومات زيارة دقلو بجوار زيارات منسوبة إلى محمود السيسي وصدام حفتر، فيما تتحرك الإمارات علنا، لتظهر شبكة اتصالات متشابكة تجمع قوى الثورة المضادة عبر ملفات عربية شديدة الحساسية.
دقلو وخط البحر الأحمر
بداية، قالت التغطيات المنشورة في 30 أغسطس 2026 إن عبد الرحيم دقلو دخل إسرائيل سرا مرات عدة، من دون تحديد مواعيد الرحلات أو هوية المسؤولين الذين استقبلوه داخل تل أبيب.
وفي المقابل، لم تحصر المصادر الزيارات في شقيق حميدتي، بل نسبت رحلات مماثلة إلى قادة كبار في الدعم السريع وأفراد من عائلته، بما يوحي باتصال يتجاوز اللقاء الفردي العابر تماما.
وسبق أن مهّد حميدتي لهذا المسار علنا عام 2020، حين وصف إسرائيل بالدولة المتقدمة وأعلن رغبة السودان في معرفة موضع مصلحته والاستفادة من قدراتها التقنية، قبل اندلاع الحرب الدامية الحالية.
إلى جانب ذلك، تحدثت تقارير سابقة عن تعاون أمني وتقني محتمل، شمل ادعاءات بحصول الدعم السريع على تقنيات مراقبة وتجسس، بما يطرح أسئلة حول مصادر القوة المعلوماتية لدى المليشيا السودانية.
مع ذلك، تبقى الزيارات الجديدة معلومات صحفية منسوبة إلى مصادر عبرية، وليست إعلانا حكوميا إسرائيليا، كما تظل تواريخها وأسماء المشاركين في اجتماعاتها وموضوعاتها التفصيلية خارج السجل الرسمي المنشور حتى الآن.
وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر أن السودان يمنح إسرائيل امتدادا مهما وفعالا على البحر الأحمر، إلى جانب مكاسب اقتصادية وأمنية واتصالات إقليمية أوسع.
وبهذه القراءة، لا تبدو الصلة بالدعم السريع منفصلة عن موقع السودان، إذ تستطيع تل أبيب عبرها الاقتراب من البحر الأحمر وموازين الحرب الداخلية، وبناء نفوذ لدى طرف مسلح يطلب الاعتراف والدعم.
زيارات أبناء دوائر الحكم
ثم أعاد ملف دقلو إلى الذاكرة ما نشرته العربي الجديد في يناير 2022 عن زيارة محمود السيسي آنذاك فعليا إلى إسرائيل على رأس وفد أمني، استنادا إلى مصادر مصرية خاصة.
وبحسب الرواية المنشورة، عقد الوفد اجتماعات مع مسؤولين أمنيين إسرائيليين تناولت العلاقات المصرية الإسرائيلية وقطاع غزة وملفات أخرى، بينما غاب حينها الإعلان الرسمي الذي يحول التسريب إلى واقعة موثقة حكوميا.
كذلك، يعكس الطابع الأمني المنسوب للزيارة مكانة تل أبيب كقناة خلفية لإدارة ملفات غزة والعلاقات الثنائية، بعيدا عن المسارات الدبلوماسية المكشوفة، وبمشاركة مسؤول مصري كان نافذا داخل جهاز المخابرات العامة.
وعلى نحو مماثل، كشفت هآرتس في نوفمبر 2021 زيارة صدام حفتر الخاطفة إلى إسرائيل، بعدما وصل سريعا من دبي بطائرة خاصة ومكث قرابة ساعة ونصف، قبل مواصلة الرحلة باتجاه ليبيا.
ووفقا للتقرير، حمل صدام رسالة من والده تطلب دعما عسكريا وسياسيا، مقابل احتمال إقامة علاقات دبلوماسية مستقبلا، كما تحدثت الصحيفة عن اتصالات سابقة بين خليفة حفتر وشخصيات مرتبطة بجهاز الموساد.
ومن زاوية أوسع، يصف أستاذ العلوم السياسية خليل العناني الإمارات بأنها قائدة تحركات الثورة المضادة لإجهاض التغيير العربي، وهو توصيف يساعد على قراءة تقاطع أبوظبي مع دوائر مصر وليبيا والسودان.
وبناء على ذلك، يصبح انطلاق رحلة صدام من دبي تفصيلا ذا دلالة، لكنه لا يثبت وحده إدارة إماراتية للزيارة، مثلما لا تكفي التسريبات المتفرقة لإثبات وجود غرفة عمليات موحدة رسمية.
التطبيع فوق الطاولة وتحتها
أما الإمارات، فقد نقلت علاقتها بإسرائيل منذ اتفاقات أبراهام عام 2020 من الاتصالات المحجوبة إلى شراكة معلنة، توسعت في التجارة والدبلوماسية والأمن والاقتصاد، مع بقاء بعض المسارات بعيدة عن الجمهور.
وفي سبتمبر 2022، زار عبد الله بن زايد إسرائيل رسميا لعدة أيام والتقى مسؤولين بارزين، بينما قالت الخارجية الإسرائيلية إن 11 وزيراً إماراتياً زاروا إسرائيل خلال العام نفسه مقابل 7 وزراء إسرائيليين.
وفوق ذلك، شارك أحمد بن علي الصايغ في مايو 2023 باستقبال رسمي أقامته إسرائيل في الإمارات، إلى جانب السفير الإماراتي ومسؤولين ورجال أعمال، بما يعكس انتقال التطبيع إلى ممارسة مؤسسية يومية.
وفي مايو 2026، أعلن مكتب نتنياهو زيارة سرية إلى الإمارات خلال الحرب مع إيران ولقاء محمد بن زايد، لكن أبوظبي نفت آنذاك الرواية وأكدت أن علاقاتها مع إسرائيل معلنة بالكامل.
من جهة أخرى، نقلت رويترز عن مصادر أن رئيس الموساد ديدي برنياع زار الإمارات مرتين على الأقل خلال الحرب للتنسيق بشأن العمليات العسكرية، لتبقى الرواية في نطاق التقارير غير المؤكدة رسميا.
لاحقا، تحدثت تقارير إسرائيلية جديدة في يونيو 2026 عن وفد أمني إماراتي رفيع زار تل أبيب سرا أثناء الحرب مع إيران، في مؤشر إضافي إلى عمق القناة الدفاعية غير المعلنة.
وفي دلالة لافتة، أقر الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله صراحة بأن إسرائيل ساعدت الإمارات في الدفاع عن نفسها عندما احتاجت إليها، وهو تصريح يكشف وظيفة تتجاوز التجارة والتمثيل الدبلوماسي.
وعليه، تجمع الوقائع بين علاقات رسمية واسعة وتسريبات عن زيارات أمنية، لكن الفارق بين المعلن والمنسوب إلى المصادر يفرض التمييز بين التعاون المثبت وبين الاستنتاج القائل بوجود قيادة مركزية واحدة.
وخلاصة الأمر، تتقاطع مسارات دقلو ومحمود السيسي وصدام حفتر والمسؤولين الإماراتيين في تل أبيب، كاشفة شبكة مصالح واتصالات متنامية، فيما تظل غرفة العمليات الواحدة فرضية قوية تنتظر وثائق حاسمة تثبتها.

