حوّلت ترتيبات حكومة عبد الفتاح السيسي لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينج طرق القاهرة والجيزة إلى نقاط تعطيل واسعة امتدت آثارها إلى أعمال المواطنين ودخولهم ومواعيد علاجهم وحركة البضائع اليومية.

 

وفي المقابل نفت جهة أمنية صدور قرارات بإغلاق محاور رئيسية بسبب الزيارة لكن صفحات محلية أعلنت إغلاقات جزئية وتناقل سائقون مشاهد توقف ما كشف فجوة بين الرواية الرسمية وتجربة الطريق.

 

وبحسب البيانات المتاحة لا توجد حصيلة رسمية مستقلة لخسائر يومي الزيارة ما يجعل أي رقم قطعي ادعاء غير مهني تماما لكن المؤشر المرجعي المتاح يوضح ضخامة الكلفة التي يضيفها التعطيل.

 

وعمليا قدّر البنك الدولي كلفة الازدحام في القاهرة الكبرى بنحو 8 مليارات دولار سنويا تشمل الوقت الضائع والوقود والتأخير والأضرار الصحية وهي قاعدة قديمة تكشف حجم النزيف لا فاتورة الزيارة منفردة.

 

وبحساب تقريبي بسيط يعادل المتوسط اليومي لذلك العبء نحو 22 مليون دولار لكن لا يجوز نسب المبلغ كاملا إلى الموكب لأن الازدحام قائم أصلا ولأن نطاق الإغلاق ومدته لم يعلنا.

 

 

كلفة الوقت المهدور

 

يدفع الموظف والعامل وصاحب المصلحة الكلفة المباشرة حين تطول الرحلة أو يفوته موعد العمل بينما تتحمل الأسر أجورا إضافية للنقل وتتقلص ساعات الراحة بسبب مسارات بديلة لم تعلن بوضوح.

 

فيما أكد خبير هندسة الطرق عبد الله أبو خضرة سابقا أن الازدحام يهدر الوقت والموارد ويخفض الإنتاجية مقدرا خسائره بنحو 8 مليارات دولار وهو ما يفسر أثر كل تعطيل إضافي.

 

كذلك تتضرر العمالة اليومية بصورة أشد لأن تأخرها يعني خصما أو ضياع فرصة عمل كاملة ولا تملك هذه الفئات الهشة ترف العمل من المنزل أو تغيير مواعيدها بما يناسب المواكب.

 

فضلا عن ذلك يتحمل سائقو سيارات الأجرة والنقل التشاركي خسارتين متزامنتين تتمثلان في حرق وقود أكبر داخل التكدس وإنجاز رحلات أقل يوميا مع احتمال رفض العملاء للتكلفة أو طول الانتظار.

 

على الجانب الآخر يتعرض المرضى والطلاب وأصحاب المواعيد الحكومية لخسائر يصعب تحويلها إلى أرقام دقيقة فالتأخر عن كشف طبي أو امتحان أو جلسة رسمية قد يتجاوز ثمن الوقود والأجرة بكثير.

 

إلى جانب ذلك يؤدي غياب خريطة رسمية دقيقة ومواعيد معلنة للإغلاق إلى منع المواطنين من التخطيط المسبق ويحوّل التحويلات المرورية إلى مفاجآت تنقل الاختناق من محور إلى شوارع سكنية بديلة.

 

في السياق نفسه يصبح المواطن مطالبا بدفع فاتورة مراسم لا يشارك في قرارها بينما لا تنشر الحكومة تقديرا للأثر أو خطة تعويض ولا حتى بيانا لاحقا يحدد مدة التعطيل ونطاقه.

 

 

تجارة محاصرة بالتحويلات

 

تخسر المتاجر والمطاعم والورش الواقعة على المسارات المتأثرة جزءا من زبائنها وتتأخر عمليات التوريد لأن الشاحنات تحتاج وقتا أطول للوصول وقد تضطر المنشآت لدفع مقابل ساعات عمل إضافية للعاملين.

 

ومن جانبه يرى خبير النقل خالد عبد العظيم أن الحلول الحكومية المتعاقبة لأزمة المرور ظلت مسكنات وهو تقييم يجعل إدارة المواكب بالإغلاق امتدادًا لمنهج ينقل الأزمة ولا يدير الحركة بكفاءة.

 

علاوة على ذلك يتأثر توصيل الطعام والدواء والطلبات المنزلية بارتفاع زمن الرحلة فتزيد تكلفة التشغيل وقد يتحملها المستهلك أو العامل بينما تخسر المنصة أو المتجر طلبيات عديدة ألغيت بسبب التأخير.

 

بالتوازي يؤدي تباطؤ حركة البضائع بين القاهرة والجيزة إلى اضطراب جداول المخازن ونقاط البيع المحلية خصوصا للمنتجات سريعة التلف وهو ضرر يتسع سريعا كلما امتدت التحويلات إلى المحاور والجسور الحيوية.

 

وفوق ذلك لا تتوزع الخسارة بالتساوي فالشركات الكبيرة تستطيع امتصاص ساعات التعطل نسبيا بينما يتحمل البائع الصغير والسائق والعامل المستقل أثرها فورا في دخل يومي محدود يتآكل مع كل ساعة انتظار.

 

ومن ناحية أخرى تزيد الرحلات الأطول استهلاك الوقود المدعوم جزئيا وترفع الانبعاثات والضوضاء داخل الأحياء التي تستقبل التحويلات المرورية فتتحول كلفة الاستقبال الرسمي إلى عبء اقتصادي وبيئي وصحي متداخل يوميا.

 

 

غياب الشفافية يضاعف الضرر

 

يكشف التناقض بين نفي الإغلاق وتداول تنبيهات محلية ومشاهد التعطل مشكلة في إدارة المعلومات لا تقل خطورة عن الأزمة المرورية نفسها إذ يحرم الناس من معلومة لازمة لحماية وقتهم ودخلهم.

 

بدوره يوضح أستاذ هندسة الطرق حسن مهدي أن منظومة المرور تشمل السائقين والمشاة ومستخدمي وسائل النقل جميعا وأن الانضباط يقلل الخسائر وهو ما يستلزم إدارة متوازنة تراعي الجمهور لا الموكب وحده.

 

ومع ذلك لم تعلن السلطات حتى الآن عدد المحاور التي أوقفت مؤقتا ولا ساعات التوقف ولا حجم المركبات المتأثرة كما لم تقدم تقديرا اقتصاديا يمكن تدقيقه أو مقارنته بشكاوى المواطنين.

 

وبناء على ذلك يجب التعامل مع رقم 22 مليون دولار باعتباره متوسطا حسابيا يوميا لكلفة الازدحام العامة لا خسارة مثبتة للزيارة فيما يبقى حجب البيانات مانعا لأي تقدير أكثر دقة.

 

ومقابل المراسم الواسعة كان يمكن نشر جدول زمني واضح قبل الزيارة وتحديد مسارات بديلة وضمان ممرات للطوارئ وتنسيق مواعيد الشحن والعمل بما يخفض الضرر من دون المساس بمتطلبات التأمين الضرورية.

 

وبدلا من تحميل ملايين السكان كلفة القرار ينبغي أن تنشر الحكومة تقرير أثر يوضح زمن الإغلاق وحجم التأخير واستهلاك الوقود وساعات العمل المهدرة والشكاوى المسجلة رسميا لتصبح المحاسبة العامة ممكنة بعد انتهاء الزيارة.

 

وأخيرا تكشف زيارة استمرت 3 أيام أن كرامة الضيف لا تستلزم تعطيل أصحاب المدينة وأن النجاح الحقيقي يقاس بقدرة الدولة على التأمين والتنظيم من دون مصادرة وقت الناس وأرزاقهم اليومية.