هوى الجنيه المصري بنحو 1.7% أمام الدولار خلال الأسبوع الماضي، ليدخل قائمة أسوأ العملات أداء عالميا، بعدما ضرب التصعيد الأميركي ضد إيران شهية المستثمرين وفتح باب الخروج من أدوات الدين الحكومية.

 

وكشف التراجع السريع هشاشة استقرار سوق الصرف، إذ ما زالت الحكومة تربط جانباً مهماً من السيولة الدولارية بأموال أجنبية قصيرة الأجل، تستطيع المغادرة فور ارتفاع المخاطر أو ظهور عوائد أكثر أماناً.

 

 

هروب نحو الدولار

 

بداية جاء الضغط الخارجي من صعود الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ما منح المستثمرين عائداً مجزياً داخل سوق أقل مخاطرة، وقلص جاذبية أدوات الدين المصرية رغم فوائدها المرتفعة حالياً.

 

وفي المقابل رفعت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط وتكاليف التأمين والشحن، فأعادت الأسواق تسعير التضخم والمخاطر، ودفعت رؤوس الأموال سريعاً إلى تقليص انكشافها على عملات البلدان الناشئة.

 

كذلك لم يكن الجنيه الأسوأ منفرداً، إذ سبقه في التراجع البيسو التشيلي والفورنت المجري والروبل الروسي، غير أن وجوده قرب ذيل القائمة يكشف سرعة تأثره بأي صدمة دولية مفاجئة خارجياً.

 

وبحسب بيانات بلومبرغ سجل المستثمرون الأجانب والعرب صافي بيع بنحو 285 مليون دولار من أذون الخزانة المصرية خلال تعاملات الثلاثاء، في إشارة واضحة إلى إعادة ترتيب المحافظ بعيداً عن المخاطر.

 

لذلك لا تمثل مبيعات يوم واحد دليلاً كافياً على هروب جماعي، لكنها تصبح إنذاراً مبكراً عندما تتزامن مع ضعف العملة وارتفاع الدولار عالمياً واتساع المخاوف المحيطة بالنظام المصرفي المصري الكبير.

 

ومن جانبه حذر الخبير الاقتصادي محمد فؤاد سابقاً من أن تضخم الأموال الساخنة يوفر دعماً مؤقتاً للنقد الأجنبي، لكنه يفرض إدارة صارمة للمخاطر بسبب قابليتها للخروج عند أي اضطراب مفاجئ.

 

ومع ذلك تظل استثمارات غير المقيمين في الدين المحلي قريبة من 40 مليار دولار، ولهذا فإن خروج نسبة محدودة منها قادر على خلق طلب دولاري كبير والضغط سريعاً على سعر الجنيه.

 

 

صدمة بنك مصر

 

في موازاة ذلك ضاعفت خطوة وزارة الخزانة الأميركية القلق، بعدما اقترحت منع المؤسسات المالية الأميركية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح فروع بنك مصر في الإمارات بسبب معاملات مرتبطة بإيران.

 

ووفقاً للسلطات الأميركية عالجت الفروع معاملات تقارب 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يحتمل ارتباطها بشبكات مالية إيرانية، وهي اتهامات يراجعها البنك المعني وتخضع كذلك لفحص عاجل مباشر داخل الإمارات.

 

لكن الإجراء لا يزال مقترحاً وخاضعاً لفترة تعليقات عامة مدتها 30 يوماً، كما يقتصر على الفروع الإماراتية والتعاملات الدولارية، ولا يمتد رسمياً إلى عمليات بنك مصر داخل البلاد أو فروعه الأخرى.

 

من ناحية أخرى أكد البنك المركزي المصري ضيق نطاق التحرك الأميركي، بينما أوضح وزير الخزانة سكوت بيسنت أن واشنطن تجنبت استهداف البنك الأم، خشية تداعيات أوسع على النظام المالي المصري.

 

غير أن الأسواق لا تنتظر دائماً اكتمال الإجراءات، فمجرد اقتراب بنك حكومي كبير من قيود على الوصول إلى الدولار يرفع علاوة المخاطر ويغذي الشكوك الدولية بشأن كفاءة الامتثال والرقابة المصرفية.

 

وفي هذا السياق أطلقت السلطات الإماراتية فحصاً عاجلاً ومتعمقاً لمعاملات الفروع خلال الفترة المحددة أميركياً، ما أبقى الملف مفتوحاً مؤقتاً أمام احتمالات جديدة وأطال أثره على ثقة المستثمرين في المنطقة.

 

علاوة على ذلك قالت كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري مونيكا مالك إن تدفقات رأس المال والاستثمار المباشر قد تصبح أكثر حذراً مع استمرار الصراع، بما يفاقم الضغط على الأسواق المصرية.

 

وبالتالي لا تكمن خطورة الملف في أثر مباشر على أموال المودعين داخل مصر حالياً، وإنما في الضرر المعنوي المحتمل إذا توسعت التحقيقات أو ظهرت قيود إضافية تمس العلاقات المصرفية الدولارية.

 

 

اختبار الاستقرار الهش

 

على صعيد آخر لم تسجل السندات الدولارية المصرية تحركاً مختلفاً بوضوح عن بقية الأسواق الناشئة، كما لم تقفز تكلفة التأمين على الديون بصورة تؤكد نشوء أزمة ثقة شاملة حتى الآن.

 

ومع ذلك يبقى الجنيه معرضاً لضغط إضافي إذا استمر صعود الدولار والعوائد الأميركية بالتزامن مع تصعيد ملف بنك مصر، لأن اجتماع العوامل الثلاثة قد يحول البيع الجزئي إلى موجة أوسع.

 

وبدوره وصف الخبير الاقتصادي هاني جنينة الأموال الساخنة بأنها سلاح ذو حدين، لأنها توفر سيولة سريعة لكنها شديدة الحساسية للأخبار السلبية، مطالباً بتدفقات مستدامة قائمة على الإنتاج والتصدير الحقيقيين مباشرة.

 

ومن ثم تكشف الأزمة محدودية سياسة شراء الاستقرار بعوائد مرتفعة، فالدولار الذي يدخل لتمويل أذون قصيرة الأجل لا يبني مصنعاً ولا يزيد الصادرات، لكنه يراكم تكلفة فائدة ثقيلة على الموازنة.

 

في الوقت نفسه تنتقل خسارة الجنيه إلى المواطنين عبر أسعار الوقود والقمح والدواء ومدخلات الإنتاج، خصوصاً إذا أبقت حرب إيران النفط والشحن مرتفعين، بما يعيد إشعال التضخم ويستنزف الدخول الحقيقية.

 

فضلاً عن ذلك قد يجد البنك المركزي نفسه بين الدفاع عن العملة بفائدة مرتفعة تكبح الاستثمار، أو السماح بمزيد من الانخفاض الذي يرفع الأسعار، وهي معادلة تكشف كلفة الاعتماد على التمويل المتقلب.

 

بناء على ذلك لا ينبغي تصوير انخفاض الأسبوع باعتباره انهياراً مكتمل الأركان، لكنه أيضاً ليس حركة عابرة بلا دلالة، لأنه كشف مجدداً ضعف الحماية المحلية أمام قرارات المستثمرين وصدمات الخارج.

 

أخيراً يتوقف احتواء التراجع على تهدئة المواجهة الأميركية الإيرانية، وحسم ملف الفروع الإماراتية بشفافية، وتقليل الاعتماد على الأموال الساخنة عبر موارد دولارية حقيقية ومستدامة من الصناعة والتصدير والسياحة والتحويلات المباشرة.