تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، بالتزامن مع تسريع مشروعات استيطانية تعيد رسم الضفة الغربية وتخنق مدنها وقراها.
ويكشف تزامن القصف والاستيطان عن مسارين متكاملين: استنزاف الفلسطينيين في غزة، وانتزاع الأرض والموارد ووسائل الحياة في الضفة تمهيداً لفرض واقع دائم.
هدنة تنزف في غزة
استشهدت سيدة فلسطينية، الأحد، متأثرة بجراح أصيبت بها خلال قصف إسرائيلي سابق استهدف مخيم المغازي وسط قطاع غزة.
وفي مدينة غزة، أصيب تسعة فلسطينيين، بينهم طفلة، جراء غارة إسرائيلية قرب مفترق السنافور بحي التفاح شمال شرقي المدينة.
وأعادت الغارة مشاهد الخوف إلى الحي، بينما نُقل المصابون إلى المستشفيات لتلقي العلاج وسط استمرار النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية قنبلتين في أجواء المناطق الشرقية لحي الزيتون، جنوب شرقي مدينة غزة، دون تسجيل إصابات مباشرة.
وتزامن تحليق المسيّرات مع قصف مدفعي متواصل استهدف المناطق الشرقية للمدينة، بما أبقى السكان تحت ضغط التهديد والإخلاء والخوف من تجدد العمليات الواسعة.
وتؤكد هذه الهجمات أن وقف إطلاق النار لم ينه معاناة الفلسطينيين، بل تحول إلى مظلة هشة تتكرر تحتها الغارات والقصف وسقوط الضحايا.
ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، عقب انسحاب جيش الاحتلال من مناطق مأهولة وبدء عودة النازحين نحو شمال القطاع.
وجاء الاتفاق ضمن المرحلة الأولى من مبادرة طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، لكنه لم يوفر حماية كاملة للمدنيين.
ومنذ تطبيقه، توالت اتهامات فلسطينية لإسرائيل بخرق التفاهمات، عبر القصف وإطلاق النار وتقييد دخول المساعدات والتحكم في حركة السكان.
وارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 73 ألفاً و651 شهيداً، بجانب 174 ألفاً و575 مصاباً.
ولا تشمل الأرقام النهائية أعداداً من الضحايا الذين ما زالوا تحت الأنقاض، أو تعذر الوصول إليهم بسبب الدمار واستمرار المخاطر الميدانية.
وتواجه المستشفيات أعباء هائلة مع استقبال مصابين جدد، بينما تعمل منشآت صحية عديدة بطاقة محدودة بسبب تدمير المباني ونقص الوقود والمعدات.
كما تعاني العائلات العائدة إلى شمال القطاع من غياب المساكن والخدمات، بعدما وجدت أحياءها مدمرة وشوارعها غير صالحة للحياة.
وتضع الغارات الجديدة اتفاق وقف النار أمام اختبار حقيقي، خصوصاً مع غياب آلية فعالة تمنع الخروقات أو تحاسب المسؤولين عنها.
ويخشى الفلسطينيون أن تتحول الهدنة إلى إدارة طويلة للأزمة، تسمح لإسرائيل بمواصلة الضربات المتقطعة دون العودة رسمياً إلى الحرب الشاملة.
وبينما ينشغل العالم بمستقبل غزة، تواصل الحكومة الإسرائيلية تنفيذ مشروع موازٍ في الضفة يستهدف الأرض والمياه والاقتصاد والهوية التاريخية.
طرق ترسم خريطة الضم
على المدخل الشرقي لمدينة رام الله، تعمل آليات إسرائيلية في مشروع ضخم يشمل طرقاً وشبكات كهرباء واتصالات ونقاطاً أمنية وخططاً لخط سكة حديد.
وأغلق الاحتلال المدخل الرئيسي للمدينة منذ اندلاع حرب غزة، وأقام حاجزاً دائماً يفرض تفتيشاً مشدداً ويعرقل حركة الفلسطينيين يومياً.
وأجبرت القيود سكان رام الله على استخدام طرق بديلة أطول، بينما يجري تجهيز الطريق الرئيسي لخدمة المستوطنات والبؤر المحيطة بالمدينة.
ويأتي المشروع ضمن توسعة شارع 60، الذي يمر وسط الضفة ويربط المستوطنات الإسرائيلية المقامة على جانبيه بشبكة طرق منفصلة.
وتؤدي توسعة الطريق إلى عزل قرى فلسطينية، وقطع التواصل بينها، وتحويل رحلات السكان اليومية إلى مسارات طويلة تخضع للحواجز والمراقبة.
ولا تبدو هذه الطرق مجرد مشروعات نقل، بل أدوات لإعادة تنظيم المكان بما يخدم حركة المستوطنين ويجعل المدن الفلسطينية جيوباً منفصلة.
وتنفذ إسرائيل مشروعاً مماثلاً لتوسعة الطريق رقم 90، الذي يربط مستوطنات الأغوار ويمتد بمحاذاة المناطق الشرقية للضفة الغربية.
وتحوّل الطرق الالتفافية المستوطنات إلى تجمعات مترابطة، بينما تقطع القرى الفلسطينية عن أراضيها الزراعية ومصادر المياه والأسواق ومراكز الخدمات.
وخلال عامين، استعرضت الحكومة الإسرائيلية الموافقة على 104 مستوطنات، بجانب إقامة أو دعم 160 نواة ومزرعة استيطانية جديدة.
وتضاف المشروعات إلى نحو 165 مستوطنة قائمة ومئات البؤر المنتشرة، ما يرفع مساحة الأراضي الواقعة فعلياً تحت السيطرة الاستيطانية.
وتشكل البؤر الرعوية خطراً واسعاً، لأنها تبدأ بعدد محدود من المستوطنين ثم تتمدد عبر المراعي والأراضي المحيطة بالتجمعات الفلسطينية.
ويستخدم المستوطنون المواشي لتوسيع نطاق وجودهم، قبل طرد الرعاة الفلسطينيين ومنعهم من دخول الأراضي التي اعتمدوا عليها لعقود.
وتفيد تقارير حقوقية بأن البؤر الرعوية باتت تسيطر على نحو 18% من مساحة الضفة، مستفيدة من الحماية والتسهيلات الحكومية والعسكرية.
كما وثقت تقارير سرقة أكثر من 12 ألف رأس من المواشي الفلسطينية، بما يضرب مصدر الدخل الرئيسي للتجمعات البدوية والرعوية.
وزودت جهات حكومية واستيطانية هذه البؤر بأسلحة وسيارات دفع رباعي وطائرات مسيّرة وطرق معبدة ومصادر طاقة ودوريات حماية.
ويمنح هذا الدعم المستوطنين قدرة على فرض واقع بالقوة، بينما يواجه الفلسطينيون الاعتداءات والتهديد والهدم والاعتقال وقيود الوصول إلى أراضيهم.
وتنظر معظم دول العالم إلى المستوطنات باعتبارها مخالفة للقانون الدولي، لكن الحكومة الإسرائيلية تواصل توسيعها وشرعنتها وضمها إلى شبكات الدولة.
تجفيف الحياة الفلسطينية
يمتد مشروع السيطرة الإسرائيلية إلى الأغوار، التي تشكل نحو 28% من مساحة الضفة وتمثل مخزوناً استراتيجياً للأراضي الزراعية والمياه.
وأقيمت مشروعات واسعة للطاقة الشمسية فوق مساحات من الأغوار، مستفيدة من ارتفاع معدلات سطوع الشمس طوال معظم أيام السنة.
وتقول تقارير إسرائيلية إن هذه المشروعات توفر نسبة مهمة من احتياجات إسرائيل من الطاقة، بينما تحرم الفلسطينيين من استثمار أراضيهم.
كما توسعت المشروعات الزراعية الاستيطانية في زراعة النخيل والزهور والمحاصيل المعدة للتصدير، لتتحول الأراضي المحتلة إلى مصدر أرباح للمستوطنات.
وفي المقابل، تراجعت قدرة المزارعين الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم، نتيجة الحواجز والمناطق العسكرية والاعتداءات ومصادرة مساحات جديدة.
وسيطرت إسرائيل على ينابيع ومجمعات مائية، ما تسبب في جفاف مساحات زراعية واسعة، خصوصاً في أريحا والأغوار والتجمعات البدوية.
وتجمع هذه الإجراءات بين السيطرة على الأرض والتحكم في المياه، بما يجعل بقاء الفلسطينيين مكلفاً ويهدد قدرتهم على الزراعة وتربية المواشي.
بالتوازي، منعت إسرائيل عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أعمالهم، واستبدلت أعداداً منهم بعمالة أجنبية.
وأوقفت أو قلصت تحويل الإيرادات الجمركية المستحقة للسلطة الفلسطينية، ما أضعف قدرتها على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية.
وسجلت البطالة في الضفة 27.9% خلال الربع الثاني من 2026، بينما تجاوزت 38% بين الشباب الخريجين من الجنسين.
وأدى فقدان الوظائف وتراجع الرواتب إلى انكماش الأسواق، وارتفاع الفقر، وعجز أسر عديدة عن تغطية الغذاء والسكن والتعليم والعلاج.
ولم يقتصر الاستهداف على الاقتصاد والمياه، بل امتد إلى المواقع الأثرية والتراثية الواقعة داخل الأراضي الفلسطينية.
ورفعت إسرائيل ميزانية وحدة الآثار التابعة للإدارة المدنية من نحو 14 مليون شيكل عام 2019 إلى قرابة 124 مليوناً.
كما ارتفع عدد موظفي الوحدة من عشرة إلى نحو 60 موظفاً، وتحولت من جهة رقابية محدودة إلى ذراع واسعة النشاط بالضفة.
وتتضمن الخطط ضخ قرابة نصف مليار شيكل في مواقع أثرية وتراثية، بجانب عشرات الملايين لتطوير مواقع أخرى تحت السيطرة الإسرائيلية.
ويحذر فلسطينيون من استخدام حماية الآثار ذريعة للاستيلاء على الأراضي وتثبيت المستوطنين وفرض رواية إسرائيلية على تاريخ المنطقة.
وتشمل التحركات مواقع تقع قرب مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية، بينها برك سليمان في بيت لحم، بما يوسع نطاق التدخل الإسرائيلي المباشر.
ويؤكد هذا المسار أن مشروع الضم لا يعتمد على قرار رسمي واحد، بل يتقدم عبر الطرق والمستوطنات والمياه والاقتصاد والآثار والحواجز.
وحذر الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميليشتاين من الانجراف نحو دولة واحدة قائمة على التفوق القومي والديني، بما يرسخ نظام فصل عنصري.
أما الصحفية الإسرائيلية عميره هس، فاعتبرت أن القضية المطروحة لم تعد إقامة دولة فلسطينية، بل دفع الفلسطينيين نحو الرحيل عن أرضهم.
وهكذا تتكامل صورة المشهد الفلسطيني: قصف متواصل في غزة، واستيطان متسارع في الضفة، وحصار اقتصادي يضيق فرص البقاء والحياة.
فالهدف يتجاوز توسيع مستوطنة أو شق طريق، إلى إعادة هندسة الأرض والسكان، ودفن إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً.
وبين شهيدة المغازي وجرحى حي التفاح وقرى الضفة المحاصرة، يتواصل مشروع واحد بأدوات مختلفة: قتل في غزة، وضم وتهجير في الضفة.

