كشف انتقال أجهزة الأمن من المواجهة المفتوحة إلى التفاوض مع أهالي جزيرة الوراق أن غضب السكان فرض كلفة جديدة على السلطة، وأجبرها على حساب خطر إشعال احتجاجات تتجاوز حدود الجزيرة إلى أنحاء مصر.
وأظهر الفيديو المتداول أن النظام لم يعد مطمئنًا إلى قدرته على انتزاع البيوت بالقوة من دون رد شعبي، بعدما صار المواطن المدافع عن أرضه صورة مكثفة لبلد أنهكته المصادرات والغلاء والقمع.
يواجه الأمن أهل #جزيرة_الوراق بحذر لأن الجو العام في مصر لن يتقبل مجازر 2013 في 2026، وسيتفاعل مع مواطن يدافع عن بيته وأرضه أمام محاولات انتزاعها عنوة وبيعها. النظام يخشى أن يشعل هو بنفسه فتيل قنبلة الغضب الموقوتة. لهذا حان وقت التحدي لكل صاحب حق ضائع، في #الوراق وكل أنحاء مصر. pic.twitter.com/ppBhapRPCk
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) September 6, 2026
الحشد يفرض التفاوض
وفي أحدث تطور، وافقت مجموعة باقون في جزيرة الوراق على جولة تفاوض جديدة، عقب تواصل مسؤولين في جهاز الأمن الوطني وطرح تصور يسمح نظريًا ببقاء جميع السكان داخل الجزيرة بلا تهجير.
وبحسب ثلاثة أعضاء مؤسسين تحدثوا للمنصة، جاء القبول بعد اجتماع حضره أكثر من 1000 شخص، بما أكد أن القرار لم يعد قابلًا للفرض الأمني بعيدًا عن أصحاب البيوت والأراضي مطلقًا.
كما يعكس حضور هذا العدد الكبير قدرة الأهالي على التنظيم وصياغة موقف جماعي، وهي قدرة تدرك السلطة أن قمعها قد يحول نزاع الملكية إلى عنوان جامع لكل صاحب حق ضائع.
ومن ثم، تبدو المفاوضات محاولة لامتصاص الغضب قبل أن يتسع، أكثر من كونها مراجعة كاملة لمشروع استثماري ظل سنوات يعتمد الحصار ومنع البناء والضغط المتواصل لدفع السكان نحو الرحيل القسري.
غير أن العرض الجديد يفرّق بين الكتلة السكنية والمناطق المتناثرة، ويمنح سكان الأخيرة بدائل تشمل مساكن خارج الجزيرة أو شققًا بالأبراج أو أراضي للبناء داخل المناطق التي تملكتها الدولة فعليًا.
لذلك يتمسك الأهالي بمبدأ بيت مقابل بيت داخل الجزيرة، لأن الخلاف لا يتعلق بسقف بديل فحسب، بل بحق الأسر الممتدة في مجتمعها وأرضها ونمط حياتها الذي صنعته أجيال متعاقبة هناك.
وفي المقابل، سبق أن حاصرت الشرطة مداخل الجزيرة ومنعت دخول مواد البناء، بينما فجرت محاولة مصادرة سيارة واعتداءات منسوبة لضباط اشتباكات أسفرت عن إصابة اثنين من الأهالي خلال شهر أغسطس.
وعلاوة على ذلك، استعادت تلك المواجهات ذاكرة اقتحام يوليو 2017، حين قُتل سيد الغلبان برصاص الشرطة خلال حملة إزالة، لتظل الواقعة تحذيرًا دائمًا من الثمن المحتمل لأي اندفاع أمني جديد.
وبناء على ذلك، لم يعد اللجوء إلى القوة خيارًا بلا عواقب، فكل اعتداء موثق يمكن أن ينتشر فورًا ويحوّل مظلمة محلية إلى دليل إضافي على انحياز الدولة للمشروعات ضد أصحاب الحقوق.
كذلك تتزامن الأزمة مع ضيق معيشي واسع وتآكل الثقة في المؤسسات، وهو ما يجعل طرد أسرة من منزلها أكثر قابلية لاستدعاء غضب مصري عام يرى مصيره المحتمل في مصير الوراق.
ومن ناحية أخرى، حصر الأهالي مسيراتهم داخل المناطق السكنية وبعيدًا عن تمركزات الشرطة، بما عكس حرصًا واضحًا على منع الذريعة الأمنية، وأبقى المسؤولية كاملة على السلطة وحدها إذا اختارت التصعيد.
وبهذا الأسلوب، نجح السكان في الجمع بين الاحتجاج والتفاوض من موقع جماعي، بينما فشلت سنوات التضييق المستمر في تفكيك موقفهم أو تحويل الحصار المفروض عليهم إلى قبول صامت بالإخلاء القسري.
الملكية تفضح الإكراه
أما المحامي الحقوقي خالد علي، فنشر منذ بداية النزاع مستندات ملكية وشهادات تثبت حقوق السكان، ودحض رواية اعتبارهم معتدين، مؤكدًا أن مقاومتهم تتعلق بحقوق السكن والأمان والاستقرار الأسري المشروع كاملة.
ويرى علي أن محامي الجزيرة واجهوا سياسات تهجير قسري هدفت إلى دفع الأهالي لبيع أراضيهم ومنازلهم، وهي قراءة تفسر بوضوح لماذا لم تنجح السلطة في تقديم النزاع باعتباره إزالة تعديات.
إضافة إلى ذلك، تكشف الوثائق أن بعض الملكيات تعود إلى أجيال سابقة، بما يهدم محاولة اختزال السكان في صورة واضعي اليد، ويمنح رفضهم أساسًا قانونيًا راسخًا يتجاوز الشعارات والاحتجاجات العامة.
وفي السياق نفسه، وثقت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، التي أسسها الحقوقي المعارض جمال عيد، أن إجبار الأهالي على الإخلاء يمثل انتهاكًا للحق في السكن واعتداء واضحًا على الملكية الخاصة.
وأكد تقرير الشبكة أن الدولة لا تنتزع أمتارًا محدودة لطريق حيوي، بل تستهدف مئات أو آلاف المنازل لمصلحة مشروع استثماري، متسائلًا بحدة عمن يحمي المواطنين عندما تصبح الدولة نفسها خصمهم.
وفوق ذلك، أوصت الشبكة بوقف الإخلاء القسري وسحب القوات المحاصرة والسماح بدخول مواد البناء، وإنهاء الملاحقات الأمنية وفتح حوار حقيقي يقود إلى بدائل عادلة يقبلها السكان طوعًا دون ترهيب مطلقًا.
الإزالة توسع دائرة الغضب
أما المحامي الحقوقي المعارض مالك عدلي، فانتقد سياسة الإزالات الجبرية التي اتسعت في عهد السيسي، معتبرًا أن ذريعة المنفعة العامة هجرت عشرات الآلاف من السكان بمناطق حيوية وتاريخية مصرية عديدة.
وبالقياس إلى هذا المسار، تصبح الوراق اختبارًا لقدرة المجتمع على وقف تحويل التطوير إلى أداة اقتلاع، كما يصبح حذر الأجهزة الأمنية اعترافًا بأن الغضب المتراكم لم يعد مضمون الاحتواء بسهولة.
لهذا يخشى النظام أن تمنح صور أسرة تدافع عن بيتها شرعية فورية للاحتجاج، بخلاف سرديته المعتادة عن الفوضى، لأن القضية تمس حقًا يوميًا يفهمه ملايين المهددين بالهدم أو الإفقار معًا.
ومع ذلك، لا يكفي خفض الاحتكاك أو تقديم وعود شفهية لإغلاق الأزمة، فالأهالي يحتاجون ضمانات مكتوبة وملزمة تحفظ البقاء داخل الجزيرة، وتمنع استخدام التفاوض ستارًا لاستكمال نزع الملكية تدريجيًا لاحقًا.
وأخيرًا، فرض صمود الوراق على الأمن خطوة إلى الخلف، لكنه لم يُسقط الخطر، وستظل الجزيرة قنبلة غضب موقوتة ما دامت السلطة تعامل البيوت كأصول للبيع والمواطنين كعقبة أمام المستثمرين الأثرياء.

