لم يكن مدير مدرسة تريشولي بازار الثانوية في دولة نيبال يعلم أن تحذيرًا عاجلًا سيصل إليه في لحظة فاصلة، وأن قراره خلال دقائق قليلة قد يحدد مصير نحو 900 تلميذ ومعلم. لكن عندما تلقى راجندرا دوادي تحذيرًا من اقتراب فيضان عارم، لم ينتظر طويلًا للتأكد من حجم الخطر، وأصدر أمرًا بإخلاء المدرسة فورًا.
وبعد دقائق فقط، تحولت المدرسة التي قضى فيها سنوات من حياته، والتي كان يديرها ويعرف تفاصيلها جيدًا، إلى أنقاض تحت وطأة سيول جارفة حملت معها المياه والحطام، في مشهد وصفه بأنه أشبه بانهيار كل شيء في لحظات.
وقال دوادي، في حديث لوكالة فرانس برس، إن أحد العاملين في المدرسة جاءه مسرعًا محذرًا من الخطر، مرددًا أن الفيضان قادم. وأمام هذا التحذير، اتخذ المدير قرارًا سريعًا بإجلاء الطلاب ونقلهم إلى مناطق أكثر ارتفاعًا.
وكان دوادي يدرك أن القرار قد يبدو مبالغًا فيه إذا لم يقع الفيضان، لكنه رأى أن المخاطرة بالتأخير قد تكون قاتلة. وقال إن التفكير كان بسيطًا: إذا كانت المعلومات غير صحيحة، فستكون الخسارة مجرد يوم دراسي، أما إذا كانت صحيحة، فإن التأخر يعني احتمال خسارة الأرواح.
تحذير عاجل غيّر مصير المدرسة
تحرك المدرسون لإخراج مئات الطلاب من مبنى المدرسة، بينما بدأ التلاميذ في التوجه إلى المناطق المرتفعة بحثًا عن الأمان. ولم يكن من السهل السيطرة على حالة الخوف التي انتابت الطلاب، خصوصًا مع ارتفاع منسوب المياه واقتراب السيول من المدرسة.
وذكر دوادي أن حالة من الذعر انتشرت بين التلاميذ، فيما أصيبت إحدى الفتيات بحالة إغماء من شدة الخوف. إلا أن عملية الإخلاء السريعة حالت دون وقوع كارثة أكبر داخل المدرسة، وأسهمت في إنقاذ نحو 900 شخص كانوا موجودين في المبنى أو محيطه.
وبعد إتمام الإخلاء، لم يكن أمام المدير سوى مراقبة المشهد من مكان أكثر أمانًا، قبل أن يشاهد مدرسته تنهار أمام عينيه.
ويقول دوادي إنه لا يزال يجد صعوبة في استيعاب سرعة ما حدث، موضحًا أنه عندما التفت إلى المدرسة كانت لا تزال قائمة، وبعد نحو خمس دقائق لم يعد هناك شيء تقريبًا.
خمس دقائق بددت سنوات من الذكريات
لم تكن مدرسة تريشولي بازار الثانوية مجرد مكان للعمل بالنسبة إلى دوادي، بل كانت جزءًا من حياته، إذ سبق أن درس فيها قبل أن يصبح مديرًا لها. لذلك كان انهيارها بالنسبة إليه خسارة شخصية إلى جانب كونها كارثة تعليمية.
وقال بعد مرور أكثر من أسبوع على الكارثة إنه أصبح، على حد تعبيره، «مدير مدرسة بلا مدرسة».
ويضيف أن المدرسة كانت من أبرز المباني في المنطقة، وأنه شاهدها وهي تنهار أمام قوة المياه والحطام. وقال إن المدرسة كانت قائمة عندما نظر إليها للمرة الأخيرة، ثم لم تمر سوى دقائق حتى انهار كل شيء.
الجسر انهار والطلاب واجهوا الموت
لم يكن طلاب المدرسة وحدهم أمام خطر الفيضان، إذ حاول عدد من سكان المنطقة الوصول إلى أماكن آمنة عبر الجسر، لكن قوة المياه حالت دون ذلك، وجرفت بعض الأشخاص، بينما اضطر آخرون إلى الفرار نحو المرتفعات.
ومن بين الناجين الطالبة سانتوشي دوتيل، البالغة من العمر 17 عامًا، والتي كانت داخل فصل المحاسبة عندما وصل أمر الإخلاء.
في البداية، لم تدرك سانتوشي أن ما يحدث يمثل خطرًا بهذا الحجم، إذ لم تتوقع أن تصل المياه إلى هذه المستويات. لكنها سرعان ما وجدت نفسها أمام واقع مختلف تمامًا، بعدما ارتفع منسوب المياه وبدأت السيول في اجتياح المنطقة.
نزلت الفتاة في البداية إلى النهر برفقة صديقتها، في محاولة لعبوره والوصول إلى منزل أسرتها، لكن الوضع تغير سريعًا بعدما ارتفعت المياه وجرفت الجسر.
وتروي سانتوشي أنها دخلت في حالة من البكاء بعدما رأت الجسر يختفي تحت المياه، وشعرت أنها قد لا تتمكن من العودة إلى منزلها أو رؤية عائلتها مرة أخرى.
وفي اللحظة التي كانت فيها المياه تجتاح المنطقة، ساعدتها صديقتها على الوصول إلى أعلى التل، حيث بقيت في انتظار معرفة مصير والديها.
وظلت الفتاة لساعات طويلة لا تعرف شيئًا عن عائلتها، قبل أن تعود إليها بعد أربعة أيام بواسطة مروحية.
لحظة مؤثرة جمعت الابنة بأمها
كان اللقاء بين سانتوشي ووالدتها من أكثر اللحظات تأثيرًا في قصة الناجين من الكارثة. فعندما وصلت المروحية، كانت والدتها دورغا دوتيل تنتظرها وهي تخشى أن تكون قد فقدت ابنتها.
وقالت الأم إنها عندما شاهدت النهر يفيض فقدت الأمل في نجاة ابنتها، بعدما بدا أن قوة المياه قادرة على ابتلاع كل ما يقف في طريقها.
لكن سانتوشي وصلت أخيرًا، وما إن خرجت من المروحية حتى وجدت والدتها أمامها. احتضنتها الأم وانهمرت في البكاء، بينما قالت الفتاة إنها لم تعد قادرة على التفكير من شدة التأثر بعد انتهاء ساعات طويلة من الخوف والانتظار.
كارثة خلفت آلاف الضحايا والمفقودين
وجاء انهيار المدرسة في إطار كارثة أوسع نطاقًا شهدتها مناطق في النيبال وعلى الحدود مع الصين، بعدما اجتاحت المنطقة موجة هائلة من المياه والجليد والحطام.
وبحسب المعلومات الواردة في التقرير، فإن هذه الموجة العاتية نتجت عن انهيار جليدي وصخري هائل، وتسببت في مقتل 1362 شخصًا على الأقل، بينما لا يزال أكثر من 5500 شخص في عداد المفقودين في البلدين.
وتحولت مناطق واسعة إلى ساحات للدمار، بعدما حملت المياه كميات ضخمة من الصخور والحطام، ما ضاعف حجم الأضرار وصعّب عمليات البحث والإنقاذ.
وفي المناطق المحيطة بمدرسة تريشولي بازار، وجد السكان أنفسهم أمام خيارين: محاولة الهروب سريعًا نحو المناطق المرتفعة أو المخاطرة بالبقاء في أماكنهم مع استمرار ارتفاع المياه.
وأكد دوادي أن السلطات المحلية لم تكن قد وفرت خطة واضحة لإخلاء المنطقة، وهو ما جعل السكان يعتمدون بدرجة كبيرة على التحذيرات التي وصلت إليهم وعلى سرعة تصرفهم في مواجهة الخطر.
آلاف الطلاب حُرموا من التعليم
لم تتوقف آثار الكارثة عند الخسائر البشرية والمادية، بل امتدت إلى قطاع التعليم الذي تعرض لضربة كبيرة.
وبحسب إحصاءات منظمة «أنقذوا الأطفال»، دمرت أو تضررت 69 مدرسة على الأقل، الأمر الذي أدى إلى حرمان نحو 19 ألف تلميذ من مواصلة تعليمهم بصورة طبيعية.
وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة أزمة إعادة بناء المدارس في المناطق المنكوبة، خصوصًا أن بعض المباني التعليمية قد تكون شُيدت في مناطق معرضة للفيضانات أو الانهيارات، ما يطرح تحديًا إضافيًا أمام السلطات بشأن اختيار مواقع أكثر أمانًا لإعادة البناء.
وبالنسبة إلى دوادي، فإن إعادة بناء مدرسة تريشولي بازار ليست مجرد مسألة تشييد مبنى جديد، فالمكان نفسه تعرض للدمار، والأرض التي كانت تستضيف المدرسة أصبحت جزءًا من المنطقة المنكوبة.
ويشير المدير إلى أن المدرسة كانت قد دمرت بالكامل في الزلزال الذي ضرب النيبال عام 2015، لكنها أعيد بناؤها آنذاك وعادت لاستقبال الطلاب.
أما هذه المرة، فالوضع مختلف، لأن الكارثة لم تدمر المبنى فقط، بل طالت الأرض التي كانت المدرسة قائمة عليها.
ويؤكد دوادي أن الأولوية الآن ليست مجرد إعادة بناء الجدران والفصول، وإنما العثور أولًا على مكان آمن يمكن أن تعود إليه المدرسة دون تعريض الطلاب والمعلمين للخطر مرة أخرى.

