محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

قرأت، قبل ثورة يناير بسنوات، خبر عرض فيلم سينمائي في مسجد. ذهبت، وشاهدت فيلم "الرسالة" (إخراج مصطفى العقاد، 1976) في جامع الحصري بمدينة 6 أكتوبر في القاهرة. أسعدني أنّ فيلمًا عن الدعوة المحمّدية، بممثّليه وموسيقاه التصويرية، يُعرض في الجامع. أحببتُ الفكرة، واللافت أنّها لم تتحوّل وقتها إلى مادّة للمزايدات الدينية. ومرّتْ.

 

تذكّرت ذلك وأنا أشاهد عقد القران الذي أثار الجدل في ساحة مسجد الفتّاح العليم: موسيقى ورقص وعازفة كمان، ومجسّم في هيئة مصحف يحمل آيات قرآنية، وبطاقات دعوة صُمِّمت هي الأخرى في هيئة المصحف. ليست المشكلة أن يدخل الفنّ إلى المسجد، بل أن يدخل المسجد في الديكور، والمصحف في كروت الأفراح، والأجواء الروحية في مظاهر البهجة "التريندي". ثمّة فارق بين أن يتّسع المقدَّس للفنّ وأن يتحوّل المقدَّس إلى "تيمة" استهلاكية: المصحف "ديزاين"، والآية خلفية، والمسجد "لوكيشن".

 

يحدث هذا في دولة تمتلك رادارًا أخلاقيًا يلتقط فيديو في "تيك توك" ويقرّر أنّه مناف لـ"قيم الأسرة المصرية"، فتتحرّك أجهزة الدولة لحماية القيم، أو بالأحرى لتحويل إجراءات القبض على القُصَّر إلى لافتات دعاية للرئيس "الشريف جدًّا إن شاء الله". فهل المشكلة في الابتذال، أم فيمَن يملك حقّ الابتذال؟ في انتهاك المقدَّس، أم فيمَن يقرّر ما المقدَّس وما المدَّنس؟

 

جعل إيميل دوركهايم الفصل بين المقدَّس والمدَّنس في قلب تعريفه الظاهرة الدينية، ورأى أنّ دائرة المقدَّسات ليست ثابتة، فالحجر والشجر والبيوت والحيوانات، وأيّ شيء تقريبًا، يمكن أن يصبح مقدَّسًا. ذلك لأنّ المقدَّس لا يعيش معلّقًا في الفراغ، بعيدًا من البشر الذين يؤمنون به ويحيطونه بالإجلال والحرمة.

 

والسؤال: إذا كان المقدَّس عند الأفراد هو الإله والأنبياء والكتب السماوية ودور العبادة، فما المقدَّس عند الدولة؟ هل ثمّة إجابة غير المواطن؟ المواطن هو مَن يمنح الدولة معناها: البلد بلده، والجغرافية حيازته، والتاريخ ميراثه، والقانون لحماية حقوقه، والسلطة (كما يُفترَض) أداة لخدمته. حرمة الأشياء في علاقة الدولة بمواطنيها تبدأ من حرمته هو: المواطن.

 

يرى الفارابي أنّ المدينة الفاضلة تقوم لتحقيق سعادة الإنسان، ويضع كانط الإنسان في قلب معادلة الغاية والوسيلة حين يقول إنّ علينا أن نعامل الإنسانية دائمًا بوصفها غايةً في ذاتها، وألّا نعاملها أبدًا باعتبارها مجرّد وسيلة. ويمكن اختصار مأساة الدولة السلطوية في أنّها تقلب المعادلة: يصبح النظام غاية، والإنسان ومقدَّساته وحياته ومصالحه ومصائره مجرّد وسائل.

 

فإذا صار النظام غايةً، صار كلّ ما عداه قابلًا للاستخدام: المواطن، والقانون، والأمن القومي، و"قيم الأسرة"، والدين، والجامع والكنيسة. يجرّد النظام السلطوي كلّ شيء من قيمته، وبدلًا من أن يخدمه يستخدمه.

 

تحوّلت الدولة كلّها إلى "فِراشة" أفراح لحكّامها وسرادق عزاء لمواطنيها. في أوقات تهديد رأس السلطة تُستدعى الآيات والأغنيات والشيوخ والقساوسة والشهداء وأمهاتهم وأطفالهم و"الشعب المصري العظيم" من أجل "لقطة"، وبعد انتهائها يعود كلّ شيء إلى "مخازن الميري".

 

وفي أوقات الاقتراب من ابن رأس السلطة تُفتح المخازن مرّة أخرى، ويُستدعى كلّ ما آل إلى التكهين: مخبرون، وعاطلون، و"إخوان"، ومعارضة، وقنوات، ومؤتمرات، ومؤامرات، ومرافعات للدفاع عن ابن الرئيس في مواجهة اتهامات "أهل الشرّ" له بالنفوذ المتزايد داخل الأجهزة السيادية، وإدارة شؤون البلاد من الباطن، وما يحدث في تجمّعات أصدقاء محمود السيسي في فيلا العلمَيْن وغيرها من الفلل والقصور التي وعد والده بأنّه "هيعملها وهيعملها وهيعملها"، ولكن ليس له أو باسمه، بل باسم مصر، وصفّق الحاضرون جميعًا، وهتفوا: تحيا مصر.

 

لم تختفِ المقدَّسات، ولم تصبح الجمهورية الجديدة أكثر علمانيةً أو أقلَّ تديّنًا، كما يزعم بعض خصومها. ما حدث هو: "إعادة توزيع القداسة". خرج المواطن تمامًا (هل كان موجودًا؟) ودخل الحاكم وزوجته وأولاده، ثمّ اتّسعت الدائرة قليلًا للأقارب والعزوة وأهل الثقة، وصار للنظام لاهوته الخاص: مقدَّسات ومحرَّمات وشعائر وكهنة، وأبناء يستمدّون الحرمة من آبائهم، وروح "وطنية" تسري في الجميع. باسم الآب، والابن، وروح السلطة القدس… نظامًا واحدًا، آمين.