أثارت بيانات متداولة عن تجارة الفحم المصري مع إسرائيل تساؤلات بشأن مصادر الأخشاب ومصير الأشجار المقطوعة، بالتزامن مع غضب أثارته إزالة أشجار بشارع جامعة الدول العربية.
وطالبت الكاتبة سالي صلاح بكشف مستندات بيع الأخشاب وحصيلة التصرف فيها، وتفسير اختلاف أرقام التجارة بين الجانبين المصري والإسرائيلي، وسط مطالب بمحاسبة المسؤولين عن إزالة الأشجار.
أرقام الفحم تفتح الأسئلة
عرضت صلاح، في منشور بتاريخ 8 سبتمبر 2026، أرقامًا نسبتها إلى قاعدة بيانات التجارة الدولية «WITS/UN Comtrade»، بشأن صادرات الفحم الخشبي المصري إلى إسرائيل.
وبحسب الأرقام التي أوردتها، سجل الجانب الإسرائيلي واردات من الفحم المصري بلغت 7 ملايين و916 ألفًا و870 كيلوجرامًا خلال 2024، بقيمة تقترب من 6 ملايين دولار.
وتعادل هذه الكمية نحو 7917 طنًا، بينما سجلت بيانات التصدير المصرية، وفق المنشور، نحو 1487 طنًا متجهة إلى إسرائيل، بقيمة تقارب 1.64 مليون دولار.
وبذلك تزيد الكمية المسجلة إسرائيليًا على خمسة أمثال الكمية المسجلة مصريًا، بفارق يقارب 6430 طنًا، ما يطرح أسئلة بشأن أسباب التباين بين السجلين التجاريين.
وتساءلت صلاح عن التفسير الفني لهذه الفجوة، وطالبت بتوضيح أي البيانات يعكس حجم التجارة الفعلية، وكيف احتُسبت الكميات والقيم المعلنة لدى كل جانب منهما.
وأشارت إلى أن اختلاف تسجيل التجارة قد يرتبط بتوقيت الشحنات، أو التمييز بين بلد المنشأ وبلد الشحن، أو إعادة التصدير، أو أساليب التقييم الجمركي.
لكنها اعتبرت أن حجم الاختلاف يستدعي تفسيرًا معلنًا من الجهات المختصة، يوضح أسباب الفارق ويتيح للرأي العام قراءة الأرقام بعيدًا عن التخمين والتفسيرات المتضاربة.
ويمتد السؤال من حجم التجارة إلى مصادر الخامات، خصوصًا أن إنتاج الفحم الخشبي يتطلب أخشابًا يمكن تحديد منشئها وتتبع انتقالها بين الموردين والمنتجين والمصدرين.
واستحضرت صلاح أرقامًا عرضها الإعلامي نشأت الديهي، قال فيها إن صادرات مصر من الفحم الخشبي بلغت نحو 90 ألف طن خلال العام نفسه.
وبحسب الحسابات التي نقلتها عنه، يحتاج إنتاج هذه الكمية إلى مئات الآلاف من أطنان الأخشاب، مع اختلاف الاحتياجات تبعًا للخامات المستخدمة وكفاءة عمليات التفحيم.
وتناولت تقديرات إعلامية احتمال احتياج الصناعة إلى أكثر من مليون شجرة، وفق افتراضات تتعلق بوزن الشجرة ونسبة تحويل الأخشاب إلى فحم خلال عملية الإنتاج.
وتبقى المطالبة الأساسية، كما طرحها المنشور، إعلان مصادر الأخشاب ونسب مساهمة المخلفات الزراعية والمزارع الخاصة والأشجار المزروعة للإنتاج، وأخشاب الإزالات الحكومية، في تغذية الصناعة المحلية.
كما يقتضي تفسير الفجوة تحديد التصنيف الجمركي المستخدم في المقارنة، والفترة المسجلة، وما إذا كانت الكميات تخص المنتج نفسه، حتى تستقيم قراءة البيانات المنشورة.
أين الأخشاب وحصيلة البيع؟
انطلقت التساؤلات من مشاهد إزالة الأشجار في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، وما صاحبها من اعتراضات على فقدان الظل والأشجار المعمرة بالمنطقة.
وربط المنشور هذه الوقائع باعتراضات شهدتها مناطق أخرى خلال السنوات الماضية، مع تكرار إزالة أشجار ضمن أعمال تطوير الطرق والمشروعات وتغيير استخدام المساحات العامة.
وطالبت صلاح بالكشف عن المسار الفعلي للأخشاب الناتجة عن الإزالة، بدءًا من الجهة التي تسلمتها، مرورًا بطريقة التصرف فيها، وصولًا إلى الاستخدام النهائي لها.
وشملت الأسئلة المطروحة تحديد ما إذا كانت الأخشاب بيعت، والجهات المشترية، والكميات المسلمة، والأسعار المعتمدة، وما إذا كانت دخلت صناعة الأثاث أو الفحم الخشبي.
ولا يقدم المنشور مستندًا يتتبع أخشاب شارع جامعة الدول حتى صادرات الفحم، بل يطالب بكشف هذا المسار وتحديد وجهتها النهائية من واقع سجلات التصرف.
ومن هنا تبرز المطالبة بمنظومة تتبع تسجل رحلة كل كمية أخشاب، وتربط بين قرار الإزالة ومحاضر التسليم والبيع، والجهة التي تولت التصنيع أو الاستخدام.
فالأشجار الواقعة تحت ولاية الجهات الحكومية تمثل أصولًا عامة، والتصرف في أخشابها يطرح أسئلة عن التقييم المالي، وإجراءات البيع، وتوريد العائد إلى الحسابات المختصة.
وأوردت صلاح أن الأخشاب الحكومية الناتجة عن الإزالة تُقيّم وتُطرح للبيع في بعض الحالات، وتؤول الحصيلة إلى الجهة صاحبة الولاية، مطالبة بإعلان المستندات التفصيلية.
وتشمل المستندات المطلوبة كميات الأخشاب الناتجة عن كل مشروع، وأرقام المزادات، وأسعار البيع، وأسماء المشترين، وإيصالات توريد الحصيلة، بما يسمح بمراجعة عملية التصرف كاملة.
ويتيح إعلان هذه البيانات مقارنة قيمة الأخشاب المباعة بحصيلتها الفعلية، والتحقق من سلامة الإجراءات، وتحديد المسؤوليات في أي مرحلة يظهر فيها اختلاف أو نقص.
كما تفتح المطالب باب مراجعة القرارات السابقة للإزالة، والدراسات التي استندت إليها، ومدى بحث بدائل نقل الأشجار أو تعديل التصميمات لحمايتها قبل تشغيل المناشير.
وطرحت صلاح أسئلة عن عدد الأشجار المزالة، ومن أصدر القرارات، وكيف جرى تقييم قيمتها البيئية، وما إذا كانت الجهات المختصة وثقت حالتها قبل القطع.
وتزداد أهمية نشر محاضر الحصر والتسليم عندما تتعدد الجهات المشاركة بالمشروعات، إذ تساعد المستندات في تحديد مسؤولية كل جهة عن الأخشاب والكميات والعائد المالي.
حماية الباقي ومحاسبة الماضي
جاءت المطالب بالتزامن مع إعلان محافظ القاهرة وقف قطع الأشجار إلا في حالات الضرورة، ومنع التقليم العشوائي، والاستعانة بمتخصصين في التعامل معها وصيانة المساحات الخضراء.
واعتبرت صلاح القرار خطوة مطلوبة لحماية الأشجار المتبقية، لكنها شددت على أنه لا يجيب عن مصير الأخشاب التي نتجت عن عمليات الإزالة السابقة بالفعل.
ويظل كشف حساب الماضي مرتبطًا بحصر ما فُقد من أشجار، ومراجعة أسباب الإزالة، وإعلان ما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب المحاسبة واسترداد حقوق الجهات العامة.
وتتجاوز الخسارة البيئية قيمة الأخشاب في السوق، فالشجرة الحية توفر الظل وتخفف الحرارة وتساهم في تحسين البيئة المحيطة، فضلًا عن قيمتها البصرية داخل المدينة.
واستشهد المنشور بالدكتور نادر نور الدين بشأن صعوبة تعويض الأشجار المعمرة، وأن الوصول إلى شجرة ناضجة تؤدي الدور نفسه قد يستغرق عقودًا طويلة كاملة.
وقد يصل زمن التعويض، بحسب التصريحات التي نقلتها صلاح، إلى نحو 70 عامًا في بعض الحالات، ما يكشف الفارق بين غرس الشتلات واستعادة الأشجار الناضجة.
وبذلك لا تكفي أعداد الشتلات المزروعة وحدها لتقييم التعويض، إذ يرتبط الأمر بعمر الأشجار وحجمها وقدرتها على أداء الوظائف البيئية التي فقدها السكان بعد الإزالة.
ويكشف الملف تداخل قرارات التطوير العمراني مع إدارة الأصول العامة وتجارة الأخشاب، بما يجعل نشر البيانات ضرورة لفهم العلاقة بين الإزالة والبيع والاستخدام الصناعي.
وتتمثل المطالب المطروحة في إعلان مصادر أخشاب صناعة الفحم، وتفسير اختلاف السجلات التجارية، وكشف حصيلة البيع، وتوثيق وجهة الأخشاب الحكومية بعد خروجها من مواقع المشروعات.
ويبقى السؤال الذي يتصدر مطالب الشفافية: أين ذهبت الأشجار بعد قطعها، ومن اشترى أخشابها، وأين أودعت حصيلة البيع، ومن يملك المستندات الكاملة للإجابة أمام المواطنين؟

