تكشف الأيام الأخيرة قبل بدء العام الدراسي عن أزمة معيشية تتسلل إلى بيوت المصريين، حيث لم تعد الحقيبة والكراسة والقلم احتياجات صغيرة، بل قائمة فواتير تفوق طاقة آلاف الأسر.

 

وتتحول الاستعدادات المفترضة لاستقبال الدراسة إلى اختبار قاس للقدرة الشرائية، بعدما أضيفت رسوم وملابس ومواصلات وأنشطة وتبرعات إلى قائمة الأدوات، فيما يلاحق الغلاء دخولاً تتآكل أصلًا.

 

عبء يسبق الدراسة

 

بالنسبة إلى الأسرة محدودة الدخل، يبدأ العام الدراسي قبل فتح المدارس بأسابيع، ويبدأ معه البحث عن دين جديد أو شراء مؤجل أو تنازل عن احتياجات منزلية أساسية.

 

تقول هاجر فتح الله، وهي أم لثلاثة أطفال، إنها حصلت على قرض من جهة عملها لتغطية المستلزمات، بعدما أدركت أن مرتب الشهر لا يتسع للقائمة.

 

بحثت هاجر في الأسواق الشعبية عن بدائل أقل سعراً، لكنها عادت بفاتورة تجاوزت 736 جنيهاً لعدد محدود من الدفاتر والأقلام والألوان والمقصات ومواد التعلم.

 

ومع تكرار القائمة نفسها لثلاثة أبناء، تتحول مئات الجنيهات إلى آلاف، ويغدو القرار بين شراء المستلزمات ودفع الفواتير أو توفير طعام الأسرة قراراً يومياً.

 

هذه ليست قصة فردية، بل صورة لموسم يضغط على عائلات كثيرة، لأن شراء الأدوات لا يجري دفعة واحدة فقط، وإنما يتكرر عند كل طلب جديد.

 

فالمدرسة قد تطلب كراسة بمواصفة بعينها، وألواناً وأوراقاً وملفات ووسائل تعليمية، بينما تضع بعض الإدارات قوائم طويلة لا تراعي عدد الأبناء أو دخل الأسرة.

 

وتخشى أمهات أن يتحول اختلاف ما يحمله التلاميذ إلى مصدر إحراج داخل الفصول، حين يعجز طفل عن إحضار المطلوب، أو يضطر لاستعمال أدوات قديمة.

 

وتدفع هذه الضغوط بعض الأسر إلى تأجيل شراء الملابس أو تقسيم الاحتياجات على أسابيع، لكنها تظل مضطرة لتدبيرها قبل أن يبدأ الطفل يومه الأول.

 

لا تكمن الأزمة في الكراسة وحدها، بل في تراكم بنود تبدو منفصلة، ثم تتجمع في النهاية لتنتج رقماً يفوق ما خصصته الأسرة لشهر كامل.

 

وكلما زاد عدد الأطفال، تضاعف العبء من دون أن تتضاعف الأجور، لتصبح المدرسة في موسم سبتمبر اختباراً قاسياً للأهل قبل أن تكون بداية تعليمية للأبناء.

 

طلبات تتجاوز الفصل

 

لا تتوقف الفاتورة عند السوق، فالمصروفات الدراسية والزي الرسمي والمواصلات والأنشطة تفتح أبواباً إضافية للإنفاق، وتستنزف ما تبقى من دخل الأسرة حتى في المدارس الحكومية.

 

وفي مدارس عديدة، تتجاوز قوائم «السبلايز» حدود الحاجة التعليمية، بتحديد ماركات أو كميات أو مواصفات تجعل الاستبدال الرخيص صعباً، وتفرض كلفة لا يناقشها ولي الأمر.

 

وفي الوقت نفسه، يشكو أولياء أمور من طلب تبرعات عينية ومالية لتوفير مقاعد أو صيانة أو إضاءة أو مواد نظافة، وهي احتياجات يفترض أن تتحملها الدولة.

 

حين تُلقى هذه الأعباء على الأهالي، لا تعود المشكلة استثناءً طارئاً، بل تتحول المدرسة إلى مساحة لتمويل عجزها من جيوب من يفترض أنها تخدمهم.

 

وتفقد عبارة مجانية التعليم معناها العملي، لأن الرسوم الرسمية المنخفضة لا تلغي ما يسبقها ويتبعها من نفقات، ولا تمنح الأسر الفقيرة قدرة حقيقية على الاحتمال.

 

فالأهل لا يدفعون ثمن الدرس فقط، بل يدفعون ثمن الوصول إليه، وثمن الزي المطلوب، وثمن النشاط، وثمن أي نقص تُحال مسؤوليته إليهم.

 

وتظهر المفارقة حين تقارن الأسرة بين المدرسة الحكومية والخاصة، فتكتشف أن الفارق في المصروفات الرسمية لا يمنع تقارباً مؤلماً في التكاليف المحيطة بالتعليم.

 

وحين تُطلب التبرعات لتوفير الحد الأدنى من النظافة والصيانة، يصبح السؤال مشروعاً عن مصير الموازنات المخصصة للتعليم، ومن يحاسب على غياب هذه الخدمات الأساسية.

 

ولا يملك كثير من أولياء الأمور رفاهية الاعتراض، خشية أن ينعكس رفضهم على أبنائهم أو على علاقتهم بالإدارة، فيدفعون بصمت أو يبحثون عن وسطاء.

 

هذه المعادلة تخلق تمييزاً داخل المدرسة نفسها، إذ يحصل من يملك المال على قدرة أكبر لتلبية الطلبات، بينما يبدأ أبناء الفقراء السباق من موقع متأخر.

 

وبدل أن تكون المدرسة أداة لتقليل الفوارق الاجتماعية، تصبح كلفتها المتصاعدة عاملاً إضافياً لترسيخها، وتضع حق الطفل في التعلم تحت امتحان قدرة الأسرة المالية.

 

تخفيضات لا تنقذ الأسر

 

تعلن الجهات الرسمية كل عام معارض «أهلاً بالمدارس» وتُمدد مواسم التخفيضات، بوصفها استجابة للشكوى، لكن العائلات ترى أن التخفيض الجزئي لا يوقف الانهيار الكامل.

 

فالأسرة لا تشتري قلماً واحداً أو كراسة واحدة، بل عشرات الأصناف لأكثر من طفل، ثم تواجه بعدها الرسوم والملابس والمواصلات والأنشطة والتبرعات.

 

وتشير تقديرات تجارية إلى ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية بنحو 20% عن العام الماضي، مع زيادات أكبر في الحقائب والأقلام والسلع الورقية التي لا غنى عنها.

 

ولا تنفصل هذه الزيادة عن موجة غلاء أوسع تضرب الغذاء والسكن والنقل، فتدخل الأسرة الموسم الجديد مستنزفة قبل أن تبدأ حساب مصاريف التعليم.

 

لذلك لا يكفي عرض تخفيض على سلعة محددة، لأن أثره يضيع أمام قائمة طويلة من النفقات، ولا سيما حين يرتبط بعضها بشروط المدارس.

 

وتبدو المعارض الرسمية أقرب إلى معالجة شكلية، ما دامت الأسعار الأصلية تواصل الصعود، وما دام إنفاق الأسرة الحقيقي يتجاوز ما يمكن توفيره في يوم تسوق واحد.

 

المطلوب ليس احتفالاً موسمياً بالخصومات، بل رقابة حقيقية على أسعار الأدوات، ومراجعة القوائم المفروضة، وضمان تمويل احتياجات المدارس من الموازنة العامة.

 

كما يحتاج أولياء الأمور إلى قواعد واضحة تمنع تحويل التبرع إلى التزام مقنّع، وتمنع إلزام الأطفال بأدوات أو علامات تجارية لا ضرورة تعليمية لها.

 

ومن دون ذلك، ستبقى المبادرات الإعلانية منفصلة عن واقع الأسر، وسيظل المواطن مطالباً بأن يدفع من دخله المحدود ثمن قصور إداري لا يملك صنعه.

 

يزداد الخطر حين يصبح الاقتراض وسيلة متكررة لمواجهة بداية الدراسة، لأن الدين الذي يبدأ بحقيبة وكراسات قد يمتد إلى بقية احتياجات المنزل.

 

وبينما تتآكل القدرة الشرائية، لا تملك الأسرة إلا إعادة ترتيب أولوياتها على حساب أبنائها، وهو ما يحول التعليم تدريجياً من حق عام إلى امتياز مادي.

 

إن إنقاذ مجانية التعليم يبدأ بتحمل الدولة مسؤولية ما يحدث داخل المدرسة وحولها، لا بترك الأسرة وحدها أمام سوق منفلت وقوائم لا تنتهي.

 

فالطفل الذي يدخل فصله مثقلاً بعجز بيته لا يبدأ عامه على قدم المساواة، وتلك هي الفاتورة الأخطر التي لا تظهر في كشوف المشتريات.