تعيش عائلات يمنية مأساة جديدة مع تصاعد المعارك بين الحوثيين وقوات الحكومة، بعدما اضطرت آلاف الأسر إلى الفرار من مناطق القتال «خوفًا من الموت»، تاركة خلفها المنازل والممتلكات وأحيانًا أفرادًا من عائلاتها.
وتحولت مديريتا الخوخة وحيس بمحافظة الحديدة إلى وجهة للنازحين الفارين من القصف، بينما وجد كثيرون أنفسهم داخل مخيمات تفتقر إلى أبسط الاحتياجات، في ظل استمرار المواجهات وسقوط مئات القتلى والجرحى.
وتكشف قصة النازحة سلامة سعيد حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في مناطق القتال، بعدما تمكنت من الفرار برفقة أحد أبنائها، بينما بقي أربعة آخرون في قريتهم بمنطقة مثلث العدين.
وتقول سلامة إنها تعيش يومها بين البكاء والانتظار، على أمل أن يتمكن أبناؤها الأربعة من الخروج والوصول إلى مناطق أكثر أمنًا.
وفرّت الأسرة على دراجة نارية، دون أن تتمكن من حمل متعلقاتها، بعدما أجبرها القصف على مغادرة القرية بصورة عاجلة.
وتوضح شهادات النازحين أن الخوف من الموت أصبح الدافع الأساسي وراء مغادرة آلاف المدنيين لمنازلهم.
وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى نزوح نحو 20 ألف شخص منذ اندلاع المعارك الأخيرة، وسط مخاوف من اتساع رقعة الأزمة.
نزوح تحت القصف وخوف على العالقين
تعيش سلامة سعيد داخل مخيم للنازحين في الخوخة، برفقة ابنها محمد خضيري، بعدما قطعت مسافة تقارب 30 كيلومترًا عن قريتها.
ولم يكن الوصول إلى المخيم نهاية للخوف، إذ تركت سلامة وراءها أربعة من أبنائها، ولا تعرف متى ستتمكن من رؤيتهم مجددًا.
وتقول الأم إنها تبكي عليهم كل يوم، وتنتظر خروجهم من المنطقة التي تشهد مواجهات عنيفة بين الحوثيين والقوات الحكومية.
وتضيف أن فرارها جاء خوفًا من القصف، بعدما لم يتمكن أبناؤها الآخرون من المغادرة معها.
وتعكس هذه الشهادة حجم الخطر الذي يواجه المدنيين، خصوصًا العائلات التي تتفرق أثناء محاولات الهروب من مناطق الاشتباكات.
ويقول محمد خضيري إن الأسرة قدمت إلى المخيم بسبب القصف المفاجئ بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويؤكد أن ما يحدث يمثل فاجعة، مشيرًا إلى استمرار الضربات ووجود أشخاص لا يزالون عالقين في مناطق القتال.
وتزداد صعوبة الأوضاع داخل المخيمات، حيث تقيم عائلات نازحة داخل أكواخ مصنوعة من الخشب والقش.
وتحتاج الأسر النازحة إلى المأوى والغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية، في وقت تتزايد فيه أعداد الفارين من مناطق المواجهات.
وتضم الخوخة مخيمات للنازحين منذ سنوات، بعدما أدت موجات التصعيد السابقة في الحديدة إلى فرار أعداد كبيرة من السكان.
وأصبح النزوح المتكرر جزءًا من حياة آلاف اليمنيين الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى ترك مناطقهم مع كل موجة تصعيد جديدة.
ولا تقتصر معاناة النازحين على فقدان المنازل، بل تمتد إلى تفكك الأسر وضياع مصادر الدخل والخوف المستمر على الأقارب.
معارك هي الأعنف منذ هدنة 2022
تشهد مناطق يمنية عدة منذ الخميس معارك بين الحوثيين والقوات الحكومية، في تصعيد وصف بأنه الأعنف منذ الهدنة التي أبرمها الطرفان عام 2022.
وأسفرت المواجهات عن مقتل ما لا يقل عن 500 شخص، معظمهم من المقاتلين، وفق حصيلة تستند إلى مصادر من طرفي الصراع.
كما تسببت المعارك في نزوح نحو 20 ألف شخص، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.
وأعربت المنظمة عن قلق كبير من تداعيات موجة النزوح الجديدة، في ظل هشاشة الأوضاع الإنسانية داخل اليمن.
ويأتي التصعيد في بلد يعيش حربًا طويلة بدأت عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على مناطق واسعة من البلاد، من بينها العاصمة صنعاء.
وفي العام التالي، تدخل تحالف عسكري تقوده السعودية لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا، ما أدى إلى تصاعد حدة الصراع وتفاقم الأزمة الإنسانية.
وعلى مدار السنوات الماضية، دفعت الحرب ملايين اليمنيين إلى النزوح، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
لكن التصعيد الحالي يكتسب أهمية إضافية بسبب تزامنه مع توترات إقليمية أوسع، وانعكاساتها المباشرة على اليمن.
وعاد اليمن خلال يوليو الماضي إلى واجهة التصعيد الإقليمي، مع تجدد المواجهة بين الحوثيين والسعودية على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وبدأت التطورات الأخيرة عقب اتهام الحوثيين السعودية بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية.
ورد الحوثيون بإعلان حصار بحري على السعودية، إلى جانب استهداف ناقلات ومنشآت نفطية تابعة لها.
وفي تطورات لاحقة، أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات على مدن ومنشآت في جنوب غرب السعودية.
وقالت الرياض إن الهجمات أسفرت عن إصابة 73 مدنيًا، بينما أعلن الحوثيون تعرض مناطق خاضعة لسيطرتهم لأكثر من 40 غارة جوية سعودية.
ويعني استمرار هذا التصعيد أن المدنيين يواجهون مخاطر متعددة، سواء بسبب المعارك الداخلية أو التداعيات الإقليمية المحيطة باليمن.
أزمة إنسانية تتسع ودعوات لوقف القتال
تأتي موجة النزوح الجديدة بينما يعيش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن 22.3 مليون شخص، أي قرابة ثلثي سكان اليمن، كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال 2026.
كما بلغ عدد النازحين داخليًا نحو 5.2 مليون شخص، ما يعكس ضخامة الكلفة الإنسانية للحرب المستمرة.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى موجات نزوح إضافية، ويزيد الضغط على المخيمات ومرافق الخدمات.
وقال جمال المشرقي، مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في الحديدة، إن نحو 1117 أسرة نزحت إلى مديريتي حيس والخوخة.
ويقدر عدد أفراد هذه الأسر بنحو 7500 شخص، فروا من مناطق القتال بحثًا عن أماكن أكثر أمنًا.
ويؤكد المشرقي أن العائلات هربت خوفًا من الموت، لكنها وصلت إلى مناطق تعاني بدورها نقصًا في الإيواء والمستلزمات.
وتكشف هذه الأرقام أن النزوح لا ينهي معاناة المدنيين، بل ينقلها من منطقة القتال إلى مخيمات تعاني ضعف الإمكانات.
وتتضاعف المخاطر عندما تضطر الأسر إلى ترك أفراد منها خلفها، كما حدث مع سلامة سعيد وأبنائها الأربعة.
وتجسد قصتها معاناة آلاف الأمهات اللواتي يواجهن خيارًا قاسيًا بين البقاء تحت القصف أو الهروب وترك أفراد من الأسرة.
وفي ظل استمرار المواجهات، صدرت دعوات دولية متعددة لخفض حدة القتال ووقف التصعيد.
وأكدت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش الحاجة إلى خطوات عاجلة لخفض الأعمال العدائية.
وحذرت من أن استمرار القتال دون احتواء قد يفاقم الوضع الإنساني المتردي الذي يعاني منه ملايين اليمنيين.
ويحتاج المدنيون، قبل أي ترتيبات سياسية أو عسكرية، إلى ضمانات تحميهم من القصف وتوفر ممرات آمنة للخروج من مناطق الاشتباكات.
كما تحتاج الأسر النازحة إلى استجابة عاجلة تشمل المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية والمستلزمات الأساسية.
ومع استمرار المعارك، تظل الخوخة وحيس وغيرها من مناطق الاستقبال أمام تحدي التعامل مع أعداد جديدة من النازحين.
وفي المقابل، تبقى العائلات العالقة في مناطق القتال الأكثر تعرضًا للخطر، خصوصًا مع صعوبة الوصول إلى مناطق آمنة.
وتظل قصة سلامة سعيد وأبنائها الأربعة صورة مؤلمة لأزمة تتجاوز أرقام الضحايا والنازحين.
فوراء كل رقم أسرة فقدت منزلها، وأم تنتظر أبناءها، وطفل يحاول التأقلم مع حياة جديدة داخل مخيم للنازحين.
ومع غياب أفق واضح لإنهاء المواجهات، يخشى اليمنيون من استمرار دوامة النزوح، لتبقى عبارة «خوفًا من الموت» عنوانًا لمعاناة المدنيين في بلد أنهكته الحرب.

