أقام مكتب خالد علي للمحاماة، بالتعاون مع المحامي بالنقض خالد الجمال والمحامي حمدي أبو العلا، دعوى أمام محكمة القضاء الإداري للطعن على الرسوم المقررة لخدمات منصة التقاضي الجنائي عن بُعد.
وتأتي الدعوى بعد إعلان وزارة العدل، أمس، فتح التسجيل بالمنصة، والانتهاء من تدريب القضاة والمحامين في أربع محاكم استئناف، استعدادًا للتفعيل الكامل للمنظومة في أكتوبر المقبل.
طعن على الرسوم المستحدثة
وطالب أصحاب الدعوى بإلغاء قرار وزارة العدل المتعلق بفرض الرسوم المالية الجديدة على المحامين مقابل استخدام خدمات منصة التقاضي الرقمي في القضايا الجنائية.
وشملت الرسوم المفروضة 500 جنيه لحضور جلسة الجنايات، بينما حُددت رسوم حضور جلسة الجنح أو الاستئناف بمبلغ 300 جنيه.
كما تضمنت الرسوم 100 جنيه مقابل حضور جلسة تجديد الحبس، إلى جانب فرض 10 جنيهات عن كل ورقة يجري تصويرها من خلال الخدمات المتاحة.
وأضافت الدعوى أن الوزارة اشترطت شراء باقات للرسائل النصية وشحن رصيد لاستخدام بعض الخدمات الإلكترونية المرتبطة بمنظومة التقاضي الجنائي عن بُعد.
ويرى مقدمو الطعن أن هذه المبالغ تمثل رسومًا جديدة وإضافية وإجبارية، رغم عدم صدورها بموجب قانون من السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان.
وبالتالي، اعتبر أصحاب الدعوى أن فرض هذه الرسوم بقرار إداري يتجاوز الاختصاصات المقررة للسلطة التنفيذية، ويمثل تدخلًا في اختصاص المشرع.
كما استند الطعن إلى أن استخدام المنصة لن يكون اختيارًا متاحًا أمام المحامين، وإنما سيصبح الطريق الأساسي لممارسة الدفاع في التحقيقات والجلسات الجنائية عن بُعد.
ومن ثم، رأت الدعوى أن إلزام المحامين بهذه الخدمات، مع ربط استخدامها بمقابل مالي، يجعل الرسوم عبئًا مباشرًا على ممارسة حق الدفاع.
وأكد أصحاب الطعن أن المحامي لا يستطيع الاستغناء عن الخدمات الرقمية إذا أصبحت جزءًا أساسيًا من إجراءات التقاضي الجديدة، ما ينفي عنها صفة الاختيار.
في المقابل، ترتبط المنظومة الجديدة بخطة وزارة العدل للتحول الرقمي داخل المحاكم، وتوسيع الاعتماد على الوسائل الإلكترونية في إجراءات التحقيق والمحاكمة خلال الفترة المقبلة.
غير أن الخلاف القانوني لا يتعلق بأصل استخدام التكنولوجيا في المحاكم، وإنما يدور حول الأساس التشريعي الذي يسمح بفرض مقابل مالي على هذه الخدمات.
وعلاوة على ذلك، أثارت الرسوم جدلًا بين المحامين، خصوصًا مع اعتبار بعض الخدمات ضرورية للحضور والمتابعة، وليست خدمات إضافية يمكن الاستغناء عنها.
ويطرح ذلك تساؤلًا حول حدود الرسوم التي يجوز للإدارة فرضها بقرارات تنظيمية، والرسوم التي يتطلب الدستور والقانون إصدارها من خلال تشريع.
جدل دستوري حول المقابل
واستند أصحاب الدعوى إلى المادتين 97 و98 من الدستور، باعتبارهما تكفلان حق التقاضي وحق الدفاع، وتدعمان ضمان وصول المواطنين إلى القضاء.
وتشير الدعوى إلى أن فرض أعباء مالية إضافية لا ينبغي أن يؤدي إلى تعطيل حق المواطنين في اللجوء للقضاء أو الحصول على دفاع قانوني.
كذلك استند الطعن إلى المادة 38 من الدستور، التي تقرر عدم فرض ضرائب أو رسوم جديدة إلا في الحدود التي يحددها القانون.
وبناءً على ذلك، اعتبر مقدمو الدعوى أن تحديد مبالغ مالية جديدة بقرار إداري، دون سند تشريعي واضح، يمثل مخالفة لمبدأ الشرعية المالية.
واستندت الدعوى أيضًا إلى أحكام وسوابق قضائية صادرة عن المحكمة الدستورية العليا ودائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا.
وتدور تلك السوابق حول مبدأ أساسي مفاده أن تطوير المرافق العامة أو إدخال وسائل تقنية حديثة لا يبرر بذاته فرض أعباء مالية خارج الإطار القانوني.
لذلك، يرى أصحاب الطعن أن التحول الرقمي داخل مرفق العدالة يجب أن يتم وفق القواعد الدستورية والتشريعية المنظمة للرسوم القضائية.
كما يشدد الطعن على أن تحديث الإجراءات لا يغير طبيعة الحق في التقاضي، ولا يحول الإجراءات الضرورية لمباشرة الدفاع إلى خدمات تجارية.
ومن ناحية أخرى، أثارت القضية نقاشًا أوسع حول إمكانية انتقال تكلفة التحول الرقمي إلى المحامين والمتقاضين، بدلًا من تحملها ضمن موازنة تطوير مرفق العدالة.
ويخشى منتقدو الرسوم من أن تؤدي التكاليف المتكررة إلى زيادة أعباء المحامين، خصوصًا مع تعدد الجلسات والإجراءات والملفات التي تتطلب استخدام المنصة.
وقد ينعكس ذلك على المواطنين بصورة غير مباشرة، إذا اضطر المحامي إلى تحميل موكليه جزءًا من تكلفة الخدمات الرقمية المرتبطة مباشرة بممارسة الدعوى.
وفي هذا السياق، حذر محامون وحقوقيون من أن ارتفاع تكلفة إجراءات التقاضي قد يؤثر بصورة أكبر على أصحاب الدخول المحدودة.
كما جرى التحذير من أن تحويل بعض إجراءات العدالة إلى خدمات مرتبطة بباقات مدفوعة قد يفتح نقاشًا حول طبيعة المرفق القضائي وحدود تحصيل المقابل.
مخاوف من جاهزية المنظومة
وكانت وزارة العدل قد أعلنت فتح باب التسجيل بمنصة خدمات المحامين الرقمية للتقاضي الجنائي عن بُعد، بالتزامن مع استعدادها لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
ومن المقرر بدء تطبيق القانون الجديد في أكتوبر المقبل، ما يجعل جاهزية المنصة والبنية التكنولوجية للمحاكم عاملًا رئيسيًا في تنفيذ الإجراءات المستحدثة.
وأعلنت الوزارة انتهاء تدريب القضاة والمحامين في أربع محاكم استئناف، تمهيدًا للتوسع في تشغيل المنظومة وربطها بإجراءات التقاضي الجنائي.
في المقابل، لا تقتصر اعتراضات المحامين على الرسوم وحدها، إذ أثيرت أيضًا مخاوف تتعلق بجاهزية شبكات الإنترنت والبنية التكنولوجية داخل المحاكم.
فقد أشار محامون إلى أن الأعطال التقنية ومشكلات الاتصال قد تؤثر على انتظام الجلسات، خصوصًا عندما تصبح الوسائل الرقمية جزءًا أساسيًا من الإجراءات.
ومن ثم، فإن نجاح المنظومة لا يرتبط بإطلاق المنصة وتسجيل المستخدمين فقط، وإنما يتطلب توفير بنية تقنية مستقرة ودعم فني قادر على التعامل مع الأعطال.
كما يتطلب التطبيق تدريبًا مستمرًا للمحامين والموظفين والقضاة، حتى لا تتحول الإجراءات الإلكترونية الجديدة إلى مصدر إضافي للتأخير داخل المحاكم.
ويرى منتقدون أن أي عطل في المنصة قد يؤدي إلى تعطيل إجراء قانوني مرتبط بموعد محدد، وهو ما يختلف تأثيره عن تعطل خدمة إلكترونية عادية.
وفوق ذلك، فإن جلسات الجنح والجنايات وتجديد الحبس ترتبط بحقوق وحريات ومواعيد إجرائية، ما يجعل الاستقرار التقني عنصرًا أساسيًا في سلامة التطبيق.
وكان أمين عام نقابة المحامين محمود الداخلي قد وصف الرسوم بأنها غير دستورية، مستندًا إلى صدورها بقرارات إدارية وليس من خلال قانون.
وتزامن ذلك مع انتقادات أخرى حذرت من تحميل المتقاضين تكاليف إضافية، في وقت يواجه فيه كثير من أصحاب القضايا أعباء مالية مرتبطة أصلًا بإجراءات التقاضي.
وبالتالي، ينتظر المحامون والمهتمون بالشأن القضائي ما ستنتهي إليه محكمة القضاء الإداري بشأن الطعن المقدم ضد قرار الرسوم الجديدة.
وستحدد المحكمة مدى مشروعية القرار الإداري، ومدى استناده إلى سند قانوني يسمح بتحصيل المقابل المالي عن الخدمات المرتبطة بالمنصة الرقمية.
وفي حال استمرار النزاع، قد تمتد القضية إلى مراحل قضائية أخرى، خصوصًا إذا تم الطعن على الحكم أمام جهات التقاضي المختصة.
كما ستظل المسألة مرتبطة بتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أكتوبر المقبل، ومدى قدرة المنظومة الرقمية على العمل دون تعطيل حقوق الدفاع والمتقاضين.
ويعيد الطعن بذلك فتح النقاش حول حدود التحول الرقمي في العدالة، والجهة التي تتحمل تكلفته، والأساس القانوني لتحصيل أي مبالغ جديدة.
وفي النهاية، لا ينازع الطعن في مبدأ رقمنة التقاضي بقدر ما يركز على قانونية الرسوم، وطريقة إقرارها، وتأثيرها المحتمل على حق الدفاع.
ومن المنتظر أن يمثل الحكم المرتقب نقطة مهمة في تحديد قواعد تحصيل الرسوم المرتبطة بالمنصات الرقمية، خصوصًا مع اقتراب بدء تطبيق القانون الجديد.

