كشفت دراسة بحثية عن تراجع حاد في أداء البرلمان المصري خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بمجالس نيابية سابقة امتلكت حضورًا أكبر في الرقابة والتشريع ومواجهة الحكومة.
وتضع الدراسة البرلمان الحالي أمام انتقادات مباشرة، بعدما أكدت أن المشكلة لم تعد مرتبطة بنقص الصلاحيات الدستورية، وإنما بتحويل تلك الصلاحيات إلى ممارسة حقيقية داخل المجلس.
ويرى الدكتور عمرو هاشم ربيع أن المقارنة بين البرلمان الحالي ومجالس سابقة تكشف فجوة واضحة في مستوى استخدام الأدوات الرقابية والتشريعية المتاحة أمام النواب.
كما تشير الدراسة إلى أن برلمانات سابقة، رغم القيود التي أحاطت بعملها، شهدت مواجهات أكثر وضوحًا بين النواب والحكومات، وظهرت خلالها أصوات معارضة تركت أثرًا داخل القاعة.
وتكشف التجارب السابقة أن قوة البرلمان لم تكن مرتبطة دائمًا بطبيعة النظام الحاكم، بقدر ارتباطها بقدرة النواب على استخدام الأدوات المتاحة والدخول في نقاشات حقيقية حول ملفات الدولة.
ويبرز مجلس الشعب في عهد حسني مبارك باعتباره نموذجًا لهذه المفارقة، إذ شهد جلسات ساخنة ومواجهات مع الحكومة، رغم استمرار الحكم لثلاثة عقود كاملة.
كما ظهر خلال تلك الفترة نواب امتلكوا حضورًا مؤثرًا، من بينهم علوي حافظ وإبراهيم شكري وطلعت السادات وضياء الدين داود، وقدموا نماذج مختلفة للمعارضة داخل البرلمان.
وفي المقابل، تكشف الدراسة أن البرلمان الحالي لم يستطع تقديم المستوى نفسه من الحضور، رغم امتلاكه نصوصًا دستورية تمنحه أدوات أوسع مما امتلكها سابقوه.
رقابة بلا تأثير
وتضع الدراسة ضعف الرقابة البرلمانية في مقدمة أسباب تراجع الدور النيابي، خصوصًا مع محدودية استخدام الأدوات التي يمكنها مساءلة الحكومة بصورة أكثر قوة.
كما أصبح السؤال البرلماني من أكثر الأدوات استخدامًا داخل المجلس، بينما تراجعت الاستجوابات ولجان تقصي الحقائق التي يمكنها فتح ملفات واسعة أمام النواب.
وتطرح هذه الصورة سؤالًا مهمًا حول قدرة البرلمان على التعامل مع الأزمات اليومية التي تواجه المواطنين، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
كذلك تبرز أزمات الصناعة والزراعة والاستثمار والنقل والتعليم والصحة والمياه كملفات تحتاج رقابة مستمرة، وليس مجرد مناقشات محدودة داخل اللجان والجلسات.
وبالتالي، فإن غياب الاستجوابات القوية ولجان تقصي الحقائق يضعف قدرة البرلمان على الوصول إلى أسباب المشكلات ومحاسبة المسؤولين عن استمرارها.
كما أن الرقابة البرلمانية لا تكتسب قيمتها من عدد البيانات والأسئلة، وإنما من قدرتها على الوصول إلى نتائج واضحة تلزم الحكومة بالتصحيح والاستجابة.
وتشير الدراسة إلى أن اتساع الفجوة بين الصلاحيات الدستورية والممارسة الفعلية جعل البرلمان يبدو أقل تأثيرًا من المجالس السابقة، رغم اختلاف الظروف السياسية والدستورية.
وعلاوة على ذلك، فإن ضعف الرقابة ينعكس مباشرة على صورة البرلمان لدى المواطنين، الذين ينتظرون دورًا أكبر في الدفاع عن مصالحهم ومناقشة القضايا التي تؤثر في حياتهم.
الخوف والمصلحة
وتحدد الدراسة ثلاثة أسباب رئيسية وراء تراجع الأداء البرلماني، يأتي في مقدمتها الخوف، ثم المصالح الشخصية، إلى جانب طبيعة النظام الانتخابي المستخدم.
كما ترى الدراسة أن خشية بعض النواب من تبعات المواجهة مع الحكومة قد تدفعهم إلى الابتعاد عن الملفات الحساسة، والاكتفاء بأدوار أقل صدامًا.
ومن ثم، يتحول النائب تدريجيًا من ممثل لمصالح المواطنين إلى عضو يفضل الحفاظ على علاقاته ومكاسبه، وهو ما يضعف جوهر الدور الرقابي.
كذلك يمكن للمصلحة الشخصية أن تؤثر في قرارات النائب، خصوصًا عندما تتعارض ممارسة الرقابة القوية مع حساباته السياسية أو مصالحه داخل الدائرة الانتخابية.
غير أن تحميل النواب وحدهم مسؤولية التراجع لا يكفي، لأن البيئة التي يعملون داخلها تلعب دورًا مؤثرًا في تحديد مساحة الحركة المتاحة أمامهم.
وبناءً على ذلك، ترى الدراسة أن المشكلة أوسع من أداء أفراد، وترتبط بطبيعة النظام السياسي والانتخابي والظروف التي تحكم العلاقة بين البرلمان والحكومة.
كما تشير إلى أن البرلمان القوي يحتاج إلى نائب قادر على استخدام صلاحياته دون خوف، وإلى بيئة تسمح بالاختلاف والمساءلة والنقاش المفتوح.
وتعيد هذه النقطة النقاش إلى فكرة استقلال النائب، لأن استقلال العضو يمثل شرطًا أساسيًا حتى يستطيع مواجهة الحكومة عندما تتطلب الملفات ذلك.
انتخابات تضعف البرلمان
وتعتبر الدراسة النظام الانتخابي أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في إضعاف استقلال البرلمان، معتبرة أنه أثر في طبيعة العضوية ومستوى التنافس داخل المجلس.
كما ترى أن طريقة تشكيل البرلمان جعلته أقرب إلى التعيين السياسي منه إلى التمثيل التنافسي، وهو ما انعكس على أداء عدد من النواب.
وبالتالي، فإن شكل الانتخابات لا يحدد فقط أسماء الفائزين، لكنه يحدد أيضًا طبيعة العلاقة بين النائب والناخب والقوى المؤثرة في المشهد الانتخابي.
وعندما يصبح النائب أكثر اعتمادًا على ترتيبات سياسية من اعتماده على المنافسة الحقيقية، تتراجع قدرته على اتخاذ مواقف مستقلة أمام الحكومة.
كذلك يؤدي ضعف التنافس إلى تقليص فرص ظهور شخصيات برلمانية تمتلك خبرة سياسية وقدرة على إدارة المواجهات والنقاشات داخل المجلس.
وتوضح التجارب التاريخية التي استعرضتها الدراسة أن وجود شخصيات برلمانية قوية كان عنصرًا أساسيًا في خلق نقاشات أكثر حدة حول القضايا العامة.
ففي عهد السادات، ظهرت أسماء مثل ممتاز نصار وأبو العز الحريري وحلمي مراد وخالد محيي الدين، وشاركت في مناقشة ملفات شديدة الحساسية.
كما شهدت تلك المرحلة نقاشات حول السلام مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادي والدعم وعروبة مصر، وهو ما منح المعارضة البرلمانية مضمونًا واضحًا أمام الرأي العام.
وتشير الدراسة أيضًا إلى أن مجلس شورى النواب الذي تأسس عام 1866 شهد ممارسة رقابية لافتة، وصلت إلى تفتيش النواب على دفاتر وزارة المالية.
كذلك شهدت تلك المرحلة تطورات دستورية مهمة، بينها إقرار مبدأ المسؤولية الوزارية، بما يعكس أن فكرة الرقابة البرلمانية ظهرت مبكرًا داخل التجربة المصرية.
وبالمقارنة، تبدو المفارقة واضحة في البرلمان الحالي، الذي يمتلك صلاحيات دستورية واسعة، لكنه لم يستخدمها بالفاعلية التي تتناسب مع حجم الأزمات.
كما تؤكد الدراسة أن إصدار القوانين وحده لا يمكن اعتباره معيارًا كافيًا لقياس قوة البرلمان، لأن التشريع يمثل جانبًا واحدًا من وظائفه.
وتظل الرقابة على الحكومة وصناعة السياسات العامة ومتابعة تنفيذ القرارات من صميم الدور الذي يفترض أن يمارسه المجلس بصورة مستمرة.
ومن ثم، فإن تراجع الاستجوابات وتقصي الحقائق يثير تساؤلات حول مدى قدرة البرلمان على أداء وظيفته الأساسية كسلطة تشريعية ورقابية.
كما أن استمرار أزمات الأسعار والصناعة والزراعة والتعليم والصحة والنقل والمياه دون رقابة قوية يضعف ثقة المواطنين في جدوى الأدوات البرلمانية.
وبحسب الدراسة، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب النصوص، وإنما في غياب الإرادة والبيئة المناسبة لتفعيل الصلاحيات التي يمنحها الدستور للنواب.
لذلك، فإن إصلاح الأداء البرلماني يبدأ من ضمان استقلال النائب، وتطوير النظام الانتخابي، وفتح مساحة أوسع للمساءلة، وربط العمل النيابي بقضايا المواطنين اليومية.
وفي النهاية، تضع الدراسة البرلمان أمام اختبار واضح، فإما أن تتحول الصلاحيات الدستورية إلى أدوات حقيقية للمحاسبة، أو تظل مجرد نصوص واسعة بلا تأثير.

