مع انطلاق العام الدراسي الجديد في مصر، اعتبارًا من 12 سبتمبر 2026، تعود وعود التطوير الرقمي إلى الواجهة، بينما تضع انتقادات الخبراء وأسعار الاتصال المتزايدة سؤال العدالة التعليمية أمام اختبار يتجاوز توزيع الأجهزة وإطلاق المنصات.
ليست المشكلة في إدخال التكنولوجيا إلى التعليم، وإنما في استخدامها ستارًا لتجميل خلل الأولويات؛ فالتطوير الذي لا يضمن للطالب جهازًا مناسبًا، واتصالًا متاحًا، ومعلمًا مؤهلًا، يهدد بتحويل تفاوت الدخل إلى تفاوت إضافي في فرص التعلم.
أجهزة تتكاثر وفجوة لم تُغلق
في 4 سبتمبر، أعلن وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف توفير أجهزة لوحية مجانًا لنحو 700 ألف طالب ثانوي سنويًا، والتوسع نحو التعليم الفني، بما يرفع العدد المعلن إلى أكثر من 1.2 مليون جهاز.
لكن الوزير نفسه أقر بأن الإنصاف الرقمي لا يتحقق بمجرد تسليم جهاز، وإنما يحتاج إلى المعلمين والمهارات والحماية الرقمية؛ وهو إقرار يجعل مساءلة التنفيذ واجبة، بدل التعامل مع أرقام التوزيع باعتبارها شهادة نجاح مكتملة.
وتكشف بيانات نشرها الأهرام بيزنس في 27 يوليو 2026، نقلًا عن جهاز الإحصاء وتقرير رقمي لعام 2025، أن مستخدمي الإنترنت يمثلون 81.9% من السكان؛ وهي نسبة انتشار، وليست قياسًا لجاهزية المنازل للتعليم الرقمي.
فالقدرة على تصفح الإنترنت لا تعني امتلاك كل طفل جهازًا مستقلًا، أو اتصالًا مستقرًا، أو مكانًا للمذاكرة؛ وخلط هذه المستويات قد يمنح الدعاية الحكومية صورة مريحة، لكنه لا يجيب عن شروط التعلم الفعلية.
وقد انتقد الدكتور محمد عبدالعزيز، الأستاذ بكلية التربية بجامعة عين شمس، أولويات مشروع التابلت، في تصريحات للنهار بتاريخ 29 أكتوبر 2024، معتبرًا أن الأموال المنفقة كان يمكن توجيهها لبناء مدارس وسد عجز المعلمين.
وأشار عبدالعزيز، في التصريحات نفسها، إلى مدارس تسلمت الأجهزة دون بنية تحتية جيدة، وأخرى لم تتسلمها؛ وهو نقد سابق لا يثبت وضع كل مدرسة اليوم، لكنه يحدد ما يجب تقييمه قبل الاحتفاء بالتوسع.
وفي أسرة يتشارك أطفالها هاتفًا واحدًا، تصبح مواعيد الدراسة منافسة على جهاز، لا اختيارًا تربويًا؛ وإذا تطلب النشاط حضورًا متزامنًا، فلن تعالج شعارات تكافؤ الفرص استحالة استخدام الهاتف نفسه بواسطة الجميع في الوقت ذاته.
المطلوب إذن نشر بيانات مفصلة عن المدارس المتصلة فعليًا، والأجهزة الصالحة، وأوقات الأعطال وخدمات الصيانة؛ فالعدالة لا تثبت بعدد الكراتين المسلمة، وإنما بقدرة الطالب الأقل دخلًا على إنجاز المهمة نفسها دون عقوبة مالية.
منصات تتوسع وتعليم بلا ضمانات
تجمع المكتبة الإلكترونية لوزارة التربية والتعليم كتبًا وتقييمات وفيديوهات ونماذج امتحانات، وتعرض منصات للبث المباشر والبرمجة ومدرستنا بلس؛ لذلك لا يصح اختزال المشكلة في غياب المحتوى، بل في جودته وإتاحته وكيفية استخدامه.
كما أعلن الوزير، في عرضه خلال سبتمبر، التوسع في تدريس البرمجة لنحو 800 ألف طالب، مع إدخال لغتي جافا سكريبت وبايثون؛ لكن اتساع التسجيل يظل مختلفًا عن قياس المهارة التي يكتسبها الطالب.
وفي تصريحات نشرتها الأهرام في 22 أكتوبر 2025، انتقد الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، الرهان على المنصات وحدها، موضحًا أن التعليم عملية إنسانية لا تختزل في نقل المعلومات.
ورأى مغيث أن المحتوى الرقمي قد يأتي مجزأً ومشتتًا دون توجيه منهجي، وأن الدروس الخصوصية تستفيد من حاجة الطلاب إلى الاهتمام المباشر؛ ما يعني أن المنصة لا تعوض تلقائيًا غياب المعلم الفعال.
وجدد مغيث نقده لسياسات الحكومة، في حوار مع فيتو بتاريخ 21 مايو 2026، معتبرًا أن استنساخ التجارب الأجنبية لا يعالج الأزمة، وأن إعادة بناء المدرسة وزيادة الإنفاق الحقيقي يجب أن يسبقا الاحتفاء بالنماذج المستوردة.
وتدعم اليونسكو ضرورة هذا التحفظ، إذ أكد تقريرها العالمي لرصد التعليم لعام 2023 محدودية الأدلة المحايدة على القيمة المضافة للتكنولوجيا؛ فلا يجوز تحويل شراء أداة حديثة إلى برهان تلقائي على تحسن التحصيل.
هنا تصبح المسؤولية الحكومية واضحة: ليس المطلوب نقل التلقين من السبورة إلى الشاشة، وإنما تمكين المعلم من اكتشاف صعوبات الطلاب ومعالجتها؛ أما تكاثر الحسابات وكلمات المرور فلا يمثل، بذاته، إصلاحًا تربويًا يستحق الاحتفال.
ولكي تُختبر جدوى المنصات، ينبغي إعلان نتائج تقارن مستويات الفهم قبل استخدامها وبعده، وتقيس الاستفادة بحسب الدخل والموقع والإعاقة؛ فالتطوير الذي يخفي تفاوت النتائج خلف إجمالي المشاهدات يهرب من السؤال الأهم بدل الإجابة عنه.
الأسر تسدد فاتورة التطوير المزعوم
وتظهر كلفة الاتصال في قرار جهاز تنظيم الاتصالات الصادر يوم 6 مايو 2026، الذي أقر زيادة أسعار بعض الباقات بين 9% و15% شاملة الضرائب، مبررًا الخطوة بارتفاع تكاليف التشغيل والاستثمار وتحسين الخدمة.
وفي القرار نفسه، أُقرت إتاحة المواقع الحكومية والتعليمية مجانًا، حتى بعد نفاد الباقات، مع طرح باقة إنترنت أرضي بسعر 150 جنيهًا؛ وهذه إجراءات يجب ذكرها وتقييم تنفيذها، لا تجاهلها لبناء اتهام غير دقيق.
لكن مجانية الدخول إلى موقع لا توفر جهازًا لمن لا يملكه، ولا تصلح عطلًا، ولا تضمن وصول الشبكة؛ لذلك تظل مساءلة الحكومة عن الكلفة الكاملة مشروعة، حتى مع إعفاء تصفح المحتوى التعليمي.
وكان عبدالحفيظ طايل، مدير مركز الحق في التعليم وقت تصريحاته للمصري لايت في 17 فبراير 2020، قد رفض إلغاء الكتاب المدرسي، معتبرًا التكنولوجيا وسيلة مساعدة، لا بديلًا يسقط مسؤولية توفير أدوات التعلم الأساسية.
وتعيد هذه الرؤية طرح سؤال المسؤولية: حين تُحذف أداة متاحة قبل ضمان البديل للجميع، فمن يدفع فارق الانتقال؟ لا ينبغي للحكومة احتساب الوفر في موازنتها إن كانت تنقل مقابله نفقات جديدة إلى المنازل.
وعندما تجمع الأسرة بين شراء جهاز وصيانته والاشتراك في دروس رقمية خاصة، يصبح الحديث عن التطوير الأقل تكلفة بحاجة إلى دليل؛ فالفصل بين المنصات الحكومية والخدمات التجارية ضروري لفهم مصدر العبء وعدم تعميمه.
وقد خلص تحليل نشرته مؤسسة مسار في 11 مايو 2026 إلى أن انخفاض السعر الاسمي لبعض الباقات لا يكفي لإثبات الحماية الاجتماعية؛ إذ يجب تقييم السعة والسرعة والصلاحية وقدرتها على تلبية الاستخدام الفعلي.
والبديل ليس إلغاء التكنولوجيا، بل تمويل شروط الانتفاع بها: أجهزة للإعارة، وصيانة ميسرة، واتصال مدرسي موثوق، ومحتوى يمكن استخدامه دون اتصال، وتدريب عملي للمعلمين، مع إبقاء بدائل مناسبة لمن يتعذر وصولهم رقميًا.
في النهاية، لا تُقاس نهضة التعليم بلمعان الشاشات، بل بما يتعلمه الطفل دون استنزاف أسرته؛ وحكومة تطالب المواطنين بتمويل شروط التطوير ثم تحتكر الاحتفال بنتائجه، تعيد توزيع الأزمة ولا تقدم حلًا عادلًا لها.

