بدأ العام الدراسي الجديد في مصر وسط مشاهد متناقضة تكشف الفجوة بين الصورة الرسمية وواقع مدارس يشكو أولياء الأمور من تردي تجهيزاتها، بينما تتصدر جولات المسؤولين بيانات الجاهزية والانضباط وانتظام الدراسة.
وأعادت شكاوى الأسر ومشاهد التهالك طرح السؤال الذي لا تجيب عنه صور الفصول النظيفة وحدها، بشأن مسؤولية الحكومة عن توفير مدارس مجهزة، ومحاسبة المقصرين، وضمان وصول أموال الصيانة إلى احتياجات الطلاب الفعلية.
مدارس تتجمل أمام كاميرات المسؤولين
بحسب الوقائع المنشورة، انطلقت الدراسة رسمياً السبت 12 سبتمبر، وبرز انتظام الطلاب الأحد، بالتزامن مع جولات لوزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، ظهرت خلالها مدارس منظمة وفصول مجهزة لاستقبال أبنائها.
لكن هذه الصورة لم تمر دون اعتراضات، إذ طالب أولياء أمور بتوسيع الزيارات لتشمل مدارس تعاني أوضاعاً صعبة، بدلاً من اعتبار المؤسسات التي شملتها الجولات دليلاً كافياً على جاهزية المنظومة بأكملها.
وفي المنصورة، نشرت إحدى الأمهات مقطعاً لفصل يظهر سقفه مغطى بألواح معدنية، وأبدت مخاوف بشأن أمانه، مطالبة بتدخل المسؤولين وتفسير كيفية استقبال الطلاب داخل فصل بهذه المواصفات مع بداية الدراسة.
ولا يكفي المقطع وحده لإصدار حكم هندسي على سلامة المبنى، لكنه يستدعي فحصاً فنياً معلناً يجيب عن مخاوف الأسر، لأن الطمأنة العامة لا تقوم مقام تقييم مهني لحالة الفصل وتجهيزاته.
وفي نقد لطريقة المتابعة، قالت الخبيرة التربوية داليا الحزاوي إن المدارس تستعد عادة لجولات الوزير، وطالبت بتفعيل لجان الجودة طوال العام، والاستماع لشكاوى الطلاب والمعلمين والوقوف على حقيقة أوضاع المدارس.
ويضع هذا الطرح مصداقية الجولات تحت الاختبار، فالمتابعة التي تسبقها استعدادات خاصة قد تقدم صورة محسنة، بينما يظل معيار النجاح هو حال المدرسة في الأيام العادية وبعد مغادرة المسؤولين والكاميرات.
وقد دعا أحد أولياء الأمور الوزير إلى زيارة مفاجئة لمدارس كرداسة بالجيزة، في تعبير عن غياب الثقة بقدرة الزيارات المعلنة على كشف المشكلات التي تعيشها الأسر بعيداً عن البيانات الرسمية.
وخلال جولاته بكفر الشيخ والغربية، أشاد الوزير بالجاهزية وانتظام الدراسة، وشدد على الانضباط ودعم المعلمين، غير أن هذه الأهداف تحتاج متابعة تشمل المدارس المتضررة، وتكشف أوجه القصور بالوضوح نفسه الذي تعرض به الإنجازات.
وتبقى مسؤولية الوزارة أكبر من إنتاج مشهد مطمئن في بداية العام؛ إذ يفترض أن تقدم للأهالي نتائج فحص المدارس وخطط إصلاح العيوب، بما يسمح بقياس التحسن ومساءلة المسؤولين عن التأخير.
الصيانة الغائبة تكشف خلل الأولويات
وقبل بدء الدراسة، كشفت جولة لمحافظ القليوبية عن مظاهر تهالك داخل مدارس، وتخللها توبيخ مديرين، قبل أن تتدخل وزارة التربية والتعليم بتكريمهما تقديراً لجهودهما، في مشهد أظهر تناقض التعامل الرسمي.
وأعاد الانتقال من التوبيخ إلى التكريم توجيه الأنظار إلى أصل المشكلة، فإصلاح العلاقة مع العاملين لا يصلح المقاعد أو المرافق، ولا يوضح لماذا وصلت المدارس إلى هذه الحالة قبل استقبال الطلاب.
وانتقد مجدي حمزة، المتخصص في الشأن التعليمي، ما وصفه بإصلاحات شكلية تنفذها الوزارة، معتبراً أن تدهور المدارس أزمة مزمنة، وأن علاجها يتطلب إرادة سياسية توفر التجهيزات اللازمة للعملية التعليمية بصورة فعلية.
وأوضح حمزة أن الأجور تستحوذ على الجانب الأكبر من موازنة التعليم، فيما يتبقى القليل للبناء والصيانة، وهو تشخيص يفتح النقاش بشأن كفاية التمويل وتوزيعه، دون تحميل المعلمين مسؤولية ضعف الموارد المتاحة.
فالمعلم الذي يحتاج أجراً مناسباً ليس خصماً من حق الطالب في فصل مجهز، والجمع بين الحقين مسؤولية الحكومة، التي يفترض أن تضع احتياجات المدرسة الأساسية في مقدمة قراراتها المالية والتنفيذية.
وفي تفسيره لمسؤوليات الصيانة، قال الوزير إن الأعمال البسيطة، مثل الدهانات والكهرباء والمقاعد، تقع على المحافظات وفق هيكل الدولة وميزانياتها، مؤكداً أن الوزارة تقدم دعماً من خلال هيئة الأبنية التعليمية.
لكن توزيع الاختصاصات لا يعفي الحكومة بمؤسساتها المختلفة من النتيجة النهائية، فالأسرة لا يفترض أن تتتبع الخرائط الإدارية لتعرف المسؤول عن مقعد متهالك أو أعمال صيانة تأخرت حتى بداية الدراسة.
وتكشف هذه الفجوة الحاجة إلى تحديد جهة مسؤولة عن متابعة كل عطل حتى إصلاحه، بتمويل معلوم وموعد تنفيذ واضح، بدلاً من بقاء المدرسة عالقة بين المكاتبات الإدارية وتعدد الجهات المعنية.
أما محاسبة المديرين، فلا تستقيم قبل فحص الموارد التي تسلموها والطلبات التي قدموها وحدود صلاحياتهم؛ فالمساءلة العادلة تتتبع سلسلة القرار والتمويل، وتحدد موضع التقصير بدلاً من الاكتفاء بالموظف الموجود أمام المسؤول.
الأسر تتحمل ثمن فشل الوزارة
وفي جانب آخر من الأزمة، أشار الخبير التعليمي مجدي حمزة إلى لجوء إدارات مدارس حكومية لطلب مساهمات من أولياء الأمور، تشمل مقاعد ومراوح وتجهيزات، وأحياناً مبالغ مالية تحت عنوان المشاركة المجتمعية.
ويكشف هذا التشخيص كيف يمكن أن ينتقل عبء تجهيز المدرسة إلى الأسرة، فتجد نفسها مطالبة بالمساهمة في توفير احتياجات أساسية يفترض أن تكون متاحة قبل دخول أطفالها إلى الفصول الدراسية.
وحين يعتمد استكمال التجهيزات على قدرة الأهالي على الدفع، تصبح جودة البيئة المدرسية معرضة للتفاوت بحسب أحوال الأسر، وهو مسار يناقض وظيفة التعليم الحكومي في توفير فرص عادلة لجميع الطلاب.
فالمشاركة المجتمعية تفقد معناها الطوعي إذا شعر ولي الأمر أن حصول طفله على خدمة مناسبة مرتبط بما يقدمه، وتصبح المشكلة أشد حين تعجز الأسرة عن تحمل طلبات إضافية فوق مستلزمات الدراسة.
ولا تسمح الوقائع المتاحة بتعميم هذه الممارسات على جميع المدارس، لكنها تكفي للمطالبة برقابة واضحة على جمع الأموال، وإعلان الاحتياجات والاعتمادات، ومنع ربط الخدمات التعليمية بأي مساهمات يطلبها القائمون عليها.
ويبدأ الإصلاح الجاد بحصر معلن لأوجه العجز، يشمل المقاعد والمرافق وأعمال الصيانة، مع ترتيب التدخل وفق الحاجة، حتى لا يصبح ظهور المدرسة إعلامياً شرطاً للحصول على الاهتمام الذي تستحقه أصلاً.
كما يحتاج أولياء الأمور إلى قناة شكاوى فعالة تعلن ما انتهت إليه الفحوص والإجراءات، لأن استقبال البلاغ دون متابعة يترك الأسرة أمام القلق نفسه، ويحول الحديث عن المشاركة إلى إجراء بلا أثر.
وتواجه الحكومة اختباراً واضحاً مع بداية الدراسة؛ إما أن تحول الشكاوى إلى إصلاحات قابلة للقياس، أو تترك صور الجولات تصطدم بواقع المدارس، فتتسع فجوة الثقة ويدفع الطلاب ثمن قصور الإدارة والتمويل.

