تواجه محمية الغابة المتحجرة بالقاهرة الجديدة استنزافًا متواصلًا لأراضيها، بعدما تراجعت مساحتها الفعلية، بحسب تحقيق استند إلى الخرائط وصور الأقمار الصناعية، إلى نحو 2.6 كيلومتر مربع، مقابل سبعة كيلومترات عند إعلان حمايتها.

 

وتضع خسارة نحو 63% من المساحة الأصلية سياسات الحكومة أمام اتهام سياسي ثقيل: حماية التوسع العقاري على حساب التراث الطبيعي، بينما تتسع الفجوة بين البيانات الرسمية وما يكشفه الرصد المساحي على الأرض.

 

قرارات حكومية تفتح أبواب الاقتطاع

 

بدأت الحماية القانونية للغابة المتحجرة عام 1989، بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 944، خلال عهد حسني مبارك، قبل عقود من إستيلاء السيسي على الحكم، بينما شهد عهده اقتطاعًا واسعًا لأراضيها عام 2017.

 

وبحسب الوثائق الواردة في التحقيق، أعاد قرار محافظ القاهرة رقم 777 لسنة 1992 تحديد الإحداثيات، لتصبح المساحة نحو ستة كيلومترات مربعة، في بداية مسار تقلص امتد لاحقًا إلى أجزاء أخرى من المحمية.

 

لكن التحول الأشد وقع في 2017، حين خصص القرار الرئاسي رقم 637 أراضي مقتطعة لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لاستخدامها امتدادًا عمرانيًا للقاهرة الجديدة، واضعًا التوسع السكاني فوق أولوية الحفاظ على الحدود السابقة.

 

وتختلف الأرقام المتعلقة بهذا الاقتطاع بين نحو 1.9 كيلومتر مربع في الرواية المنسوبة لوزارة البيئة، ونحو 2.2 كيلومتر في بيانات التخصيص الواردة بالتحقيق، وهو تفاوت يستوجب كشف الحساب المساحي الكامل للرأي العام.

 

والأخطر أن صور الأقمار الصناعية التي راجعها التحقيق تشير إلى أعمال بناء شمال المحمية منذ 2008، بما يطرح سؤالًا عن دور قرارات 2017 في إقرار واقع عمراني سبقها بسنوات طويلة.

 

وفي انتقاد سابق منشور عام 2019، اعتبر باسم حلقة، المرشد السياحي، أن اتجاه وزارة البيئة لاقتطاع أجزاء من المحمية لصالح الإسكان يمثل أمرًا محزنًا، بالنظر إلى قيمتها الطبيعية والسياحية الكبيرة.

 

ويضع هذا الاعتراض الحكومة أمام جوهر الأزمة: كيف تتحول الوزارة المسؤولة عن صون المحمية إلى طرف يبرر التخلي عن أجزاء منها، بينما يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن سلامة أراضيها؟.

 

ولا يمحو تقادم التعديات مسؤولية السلطات المتعاقبة، كما لا يعفي الحكومة الحالية من مراجعة القرارات التي صدرت في عهدها، وكشف المستفيدين وأسس التخصيص، بدل تقديم خسارة الأرض باعتبارها نتيجة طبيعية للتنمية.

 

تعويض مزعوم وخرائط تفضح التناقض

 

دافعت وزارة البيئة عن اقتطاع الشمال بالقول إن المنطقة فقدت قيمتها الجيولوجية، وإن مساحة أضيفت غربًا لتعويض المحمية، لكن مراجعة الخرائط الواردة بالتحقيق تنازع هذه الرواية في أساسها الجغرافي نفسه.

 

فبحسب مقارنة الإحداثيات الرسمية، كان القطاع الغربي داخل حدود المحمية المحددة عام 1992 أصلًا، ما يعني أن وصفه بأنه إضافة جديدة لا يثبت تعويض الأراضي المفقودة، بل يستدعي تفسيرًا حكوميًا موثقًا.

 

وكان خالد فهمي، وزير البيئة وقتها، قد تحدث عن إضافة الجهة الغربية ناحية الجامعة الألمانية لحمايتها من العمران، بينما أكد أحمد سلامة، رئيس قطاع حماية الطبيعة آنذاك، ضم مساحة غرب السور.

 

وإذا صحت نتيجة مطابقة الخرائط، فإن الخلاف يتجاوز سوء التعبير إلى تقديم حماية قائمة بوصفها مكسبًا جديدًا، بما يحجب الحجم الحقيقي للخسارة ويضع صدقية التبرير الرسمي تحت مساءلة مباشرة أمام المواطنين.

 

وفي دراسة مشتركة منشورة عام 2020، حذرت خلود محمد عبدالمقصود، الباحثة بقسم الموارد الطبيعية بجامعة القاهرة، وزميلها وائل المتولي، الباحث بقسم الجغرافيا، من استنزاف التراث الجيولوجي للمحمية تحت ضغط التوسع العمراني.

 

وشددت الدراسة على الحاجة إلى قرارات أكثر استشرافًا تضمن الحماية القانونية الكاملة، معتبرة أن تقدير قيمة التراث الجيولوجي وأهمية صونه ما زال قاصرًا؛ وهي خلاصة تناقض الاطمئنان إلى مجرد تعديل الحدود.

 

وتزيد وثيقة يوليو 2026، المنسوبة للإدارة المركزية لحماية الطبيعة، حدة الأسئلة بإعلان مساحة رسمية تبلغ 3.3 كيلومتر مربع، بينما يقدر التحقيق المتبقي فعليًا بنحو 2.6 كيلومتر، بفارق يقترب من 21%.

 

ولا يصح الخلط بين المساحة القانونية والأرض المتبقية دون إنشاءات؛ فالفارق بينهما يحتاج تدقيقًا مستقلًا، لكنه يظل مؤشرًا يستدعي التحرك، لا ذريعة للاحتماء برقم رسمي وتجاهل ما يجري داخل الحدود.

 

العقارات تتقدم والحماية تتراجع ميدانيًا

 

يربط التحقيق بين إنشاءات القطاع الغربي ومشروعات هايد بارك، اعتمادًا على مطابقة صور الأقمار الصناعية بمخططات معلنة، بينها هايد بارك فيوز بمساحة نحو 34 فدانًا، وهايد بارك تريسس بمساحة نحو 102 فدان.

 

وبحسب بيانات الملكية الواردة فيه، يمتلك بنك التعمير والإسكان 36.9% من الشركة، والبنك الأهلي المصري 24%، وهيئة المجتمعات العمرانية 20.88%، بما يمنح الجهات العامة حضورًا كبيرًا في هيكل ملكيتها المعلن.

 

وهذه الصلات لا تثبت وحدها مخالفة بعينها، لكنها تفرض رقابة أشد على التخصيص والتراخيص، وتطرح سؤال تضارب المصالح حين تجتمع لدى مؤسسات الدولة مسؤولية حماية الأرض والمصلحة المالية في تطويرها.

 

ويمتد الرصد جنوبًا وشرقًا إلى إنشاءات وأعمال تمهيد ظهرت منذ بدايات 2026، يقدر التحقيق مساحتها بنحو 81 ألف متر مربع، ويضعها داخل الحدود الواردة بخريطة قرار 2017 وفق مقارنته المساحية.

 

وتشمل المنشآت الموصوفة مطاعم وكافيتريات وخدمات سيارات، مع أعمال خلفية يرجح التحقيق أن بعضها سكني، ما يستوجب نشر التراخيص وتقييمات الأثر البيئي، وتحديد طبيعة كل نشاط وموقعه بدقة قبل استكماله.

 

وكان أحمد منصور، الخبير الجيولوجي، قد حذر في تصريحات منشورة عام 2019 من استمرار نهب رمال المحمية سنوات بعد 2011، ومن تأثير ذلك وإلقاء مخلفات البناء والقمامة على بيئتها الداخلية.

 

وتكشف شهادته أن مشكلة الحماية أقدم من المشروعات الأخيرة، وأن ترك الإتلاف يتراكم يجعل الاحتجاج لاحقًا بتراجع القيمة الجيولوجية تبريرًا لنتيجة الإهمال، بدل أن يكون سببًا للتحقيق في المسؤولية عنه ومحاسبة مرتكبيه.

 

وتستوجب الوقائع المعروضة وقف أي أعمال يثبت وقوعها دون سند داخل المحمية، وإجراء مسح مستقل منشور، وإعلان قرارات تغيير الحدود ودراساتها، ومواجهة الشركات والجهات الحكومية بنتائج التدقيق وإتاحة ردودها كاملة.

 

فالغابة المتحجرة ليست رصيدًا عقاريًا احتياطيًا تسحب منه الحكومة كلما اتسعت شهية البناء؛ إنها تراث عام، واستمرار تآكلها يفضح فشل الحماية، ويجعل استعادة الأرض والمساءلة معيار الجدية الوحيد بعد سنوات التبرير.