أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا جديدًا بشأن مستقبل الوجود الأمريكي في إيران، بعدما ألمح إلى إمكانية بقاء الولايات المتحدة هناك لفترة من الوقت والاستفادة من النفط الإيراني، في تصريحات تأتي بالتزامن مع استمرار التوتر العسكري في المنطقة وتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وجاءت تصريحات ترامب خلال زيارة إلى أيرلندا، حيث تحدث عن مسار الحرب مع إيران، مؤكدًا أنه لا يزال يتوقع نهايتها خلال العام الجاري، وربما قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر، أو في فترة قريبة منها.
وتزامنت هذه التصريحات مع تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، من بينها تأجيل اجتماع كان مقررًا عقده في سلطنة عُمان بين إيران وعدد من دول الخليج لبحث أمن الملاحة في مضيق هرمز، في وقت تتعرض فيه سفن تجارية لهجمات وحوادث متكررة داخل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
ترامب يتمسك بإنهاء الحرب
خلال حديثه في أيرلندا، أعاد ترامب التأكيد على أن الحرب مع إيران لن تستمر إلى أجل مفتوح، مشيرًا إلى أنه يتوقع التوصل إلى نهاية للصراع خلال العام الحالي.
ولم يحدد الرئيس الأمريكي موعدًا دقيقًا لإنهاء الحرب، لكنه ربط تقديراته بالانتخابات النصفية، قائلًا إن انتهاء المواجهة قد يحدث قبل انتخابات نوفمبر أو بعدها بقليل.
ويأتي هذا التقدير في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران، إلى جانب محاولات إقليمية ودولية لفتح مسارات تفاوضية من شأنها خفض حدة التصعيد.
وفي الوقت نفسه، وعد ترامب بأن أسعار البنزين في الولايات المتحدة ستتراجع بشكل كبير بمجرد انتهاء الحرب، في إشارة إلى التأثير المباشر للصراع على أسواق الطاقة والمستهلكين الأمريكيين.
وتشهد أسواق النفط حالة من التقلب الحاد نتيجة المخاوف المتعلقة بإمدادات الخام وطرق نقله، خصوصًا مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز والبحر الأحمر.
واشنطن تتحدث عن النفط الإيراني
اللافت في تصريحات ترامب كان حديثه عن احتمال استمرار الوجود الأمريكي في إيران وعدم الانسحاب فور انتهاء الحرب.
وقال الرئيس الأمريكي إن الولايات المتحدة ستغادر في نهاية المطاف، لكنه ترك الباب مفتوحًا أمام احتمال بقائها والاستفادة من النفط، مستشهدًا بالترتيبات الأمريكية المتعلقة بفنزويلا.
ويعكس هذا الطرح تحولًا لافتًا في طبيعة الخطاب الأمريكي بشأن أهداف الحرب، إذ لا يقتصر النقاش على العمليات العسكرية أو منع إيران من تحقيق أهدافها، وإنما يمتد إلى مستقبل الموارد النفطية والعوائد الاقتصادية المرتبطة بها.
وبرر ترامب موقفه بالقول إن الإيرادات التي تحصل عليها الولايات المتحدة من فنزويلا غطت تكلفة الحرب عدة مرات، في إشارة إلى رؤيته التي تربط العمليات العسكرية بمردود اقتصادي مباشر.
وتثير هذه التصريحات تساؤلات حول طبيعة أي ترتيبات قد تسعى واشنطن إلى فرضها بعد توقف القتال، خصوصًا إذا ارتبطت بمصادر الطاقة أو إدارة العائدات النفطية.
كما أنها قد تزيد من صعوبة أي مسار تفاوضي مع طهران، في ظل رفض إيران المتكرر لما تعتبره شروطًا تمس سيادتها أو مواردها الطبيعية.
اتصالات إيرانية واتفاق بشروط
قال ترامب إن إيران تواصل الاتصال بالولايات المتحدة بهدف الوصول إلى اتفاق، مشيرًا إلى أن طهران، بحسب روايته، ترغب بشدة في التوصل إلى تسوية.
لكن الرئيس الأمريكي شدد في المقابل على أنه لن يقبل إلا باتفاق وصفه بأنه مناسب، دون أن يكشف عن تفاصيل الشروط التي يرى أنها ضرورية لإنهاء الحرب.
وتتناقض هذه الرواية مع الموقف الإيراني المعلن، إذ سبق لطهران أن نفت تصريحات ترامب المتعلقة برغبتها في إجراء مفاوضات سلام مباشرة مع واشنطن.
ويعكس هذا التباين استمرار الفجوة بين الطرفين بشأن طبيعة الاتصالات الجارية، وما إذا كانت هناك بالفعل قنوات تفاوض يمكن أن تقود إلى اتفاق، أم أن التصريحات المتبادلة تأتي في إطار الضغط السياسي والإعلامي المصاحب للحرب.
وفي ظل ارتفاع كلفة الصراع، تبدو قضية إنهاء الحرب مرتبطة بمجموعة واسعة من الملفات، من بينها أمن الملاحة والطاقة والعقوبات ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
تأجيل اجتماع صلالة بشأن هرمز
على المستوى الإقليمي، تزامنت تصريحات ترامب مع إعلان تأجيل اجتماع كان مقررًا عقده في مدينة صلالة العُمانية بين إيران ودول خليجية لمناقشة الوضع الأمني في مضيق هرمز.
ونقلت وكالة أنباء فارس عن مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية أن قرار التأجيل اتخذته طهران ومسقط، وجاء بناءً على طلب من دول إقليمية، من دون الكشف عن أسماء هذه الدول أو تحديد موعد جديد للاجتماع.
وكان من المنتظر أن يركز اللقاء على التوتر المتصاعد في المضيق، الذي يمثل شريانًا أساسيًا لحركة ناقلات النفط العالمية، فضلًا عن بحث آليات الحد من المخاطر التي تواجه السفن التجارية.
وعندما سُئل ترامب عن الاجتماع، قلل من أهمية انعقاده، قائلًا إن الأمر يعود إلى الأطراف المعنية.
ويأتي التأجيل في توقيت حساس، بعدما أصبح مضيق هرمز أحد أبرز بؤر التوتر في الحرب، مع تزايد المخاوف من اتساع نطاق الاستهداف ليشمل السفن التجارية وناقلات الطاقة.
هجمات جديدة على السفن
ميدانيًا، شهدت المنطقة تطورات جديدة مرتبطة بأمن الملاحة. فقد أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بتعرض سفينة تجارية إيرانية لهجوم قبالة جزيرة قشم في الخليج، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين.
وفي حادث منفصل أو ربما مرتبط بالواقعة نفسها، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن سفينة أصيبت بمقذوف أثناء عبورها مضيق هرمز، قبل أن يتم إجلاء أفراد طاقمها بعد اندلاع حريق على متنها.
ولم تتضح فورًا هوية الجهة التي نفذت الهجوم، كما لم يكن من المؤكد ما إذا كان البلاغ البريطاني يتعلق بالسفينة التي تحدثت عنها وسائل الإعلام الإيرانية.
وتزيد هذه الحوادث من الضغوط على حركة الملاحة التجارية، خصوصًا أن أي اضطراب واسع في هرمز يمكن أن ينعكس بسرعة على إمدادات النفط والغاز وأسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، أعلن الجيش الأمريكي أن قواته أعادت توجيه مسار نحو 100 سفينة تجارية خلال فترة الستين يومًا السابقة، في مؤشر على حجم المخاطر التي باتت تواجه حركة السفن في المنطقة.
النفط يتجاوز 100 دولار
وانعكست التطورات الأمنية على أسواق الطاقة، إذ تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع الماضي، للمرة الأولى منذ يوليو، وسط مخاوف متزايدة من استمرار اضطراب حركة الإمدادات.
ولم تقتصر آثار الأزمة على أسعار الخام، إذ شهدت الولايات المتحدة ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الوقود، مع تجاوز سعر الديزل في محطات التعبئة حاجز ستة دولارات للغالون، وهو مستوى قياسي.
ويرتبط هذا التصاعد في الأسعار بالمخاوف من استمرار الهجمات المتبادلة على ناقلات النفط، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارة الطاقة العالمية.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع النشاط المتصاعد للحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن على امتداد البحر الأحمر، ما يفتح جبهة إضافية أمام حركة الملاحة الدولية.

