تكشف شكاوى مرضى التأمين الصحي عن منظومة تستنزف أصحابها بالأوراق والطوابير والمشاوير المتكررة، بينما يفترض أن تحميهم من المرض وتكاليفه، وتضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن عوائق تحول العلاج إلى معركة يومية مرهقة.
وتتقاطع شهادات مرضى وأسرهم حول تأخر الإجراءات وتعقيدات تجديد البطاقات ونقص بعض الأدوية واضطراب مواعيد الكشف، في صورة قاسية يتحمل فيها كبار السن ومرضى الأورام ثمن إدارة تعجز عن احترام احتياجاتهم الأساسية.
بيروقراطية قاسية تستنزف أجساد المرضى
يقول الحاج محيي الدين إن رحلته مع السرطان بدأت قبل نحو عامين، بعدما قاده تنميل الذراع وألم الرقبة إلى الفحوصات، التي كشفت، وفق روايته، عن ورم أصاب العمود الفقري واستدعى تدخلًا عاجلًا.
وبحسب شهادته، أظهرت الفحوصات تآكلًا واسعًا بإحدى الفقرات، واحتاج إلى جراحة لتثبيتها بدعامة، لكنه اضطر إلى إجرائها خارج التأمين الصحي بسبب بطء الإجراءات، فتحولت محاولة إنقاذ صحته إلى ديون تثقل حياته.
ولم تنته الرحلة عند الجراحة الأولى؛ إذ يروي أن الفحوصات اللاحقة كشفت وجود الورم الأساسي بالكلية، وخضع بعدها لجراحة أخرى، قبل أن يقرر طبيبه علاجًا بالأقراص يحصل عليه من التأمين الصحي.
لكن صرف الدواء نفسه أصبح عبئًا متجددًا، فالمريض يقول إن الكمية التي يتسلمها من مستشفى الهرم تكفي أسبوعين فقط، ثم يعود ليقضي يومًا كاملًا بين الإجراءات والانتظار للحصول على الجرعة التالية.
وتكشف هذه الشهادة خللًا لا يجوز اختزاله في ازدحام عابر؛ فتنظيم الصرف مسؤولية إدارية ينبغي أن تراعي الحالة الطبية، بدل فرض مشاوير متكررة على مريض أنهكته الجراحات واستنزفته تكاليف العلاج.
وفي خلفية هذا المشهد، انتقدت الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، في تصريحات سابقة، توجه طرح وحدات صحية للاستثمار، محذرة من أن تقليص الرعاية الأساسية يزيد التكدس ومعاناة المواطنين عند طلب الخدمة.
وطالبت مينا بإصلاح الوحدات المتهالكة وتوفير الأدوية والإمكانات والكوادر اللازمة لتشغيلها، معتبرة أن خصخصة الخدمات الصحية تهدد منفذًا أساسيًا للعلاج الحكومي، خصوصًا للأسر التي تضطر للسفر بحثًا عن خدمة قريبة وميسورة.
ويضع هذا النقد الحكومة أمام سؤال لا تجيب عنه شعارات التطوير وحدها؛ ما قيمة منظومة تحمل اسم التأمين، إذا اضطر المريض إلى الاقتراض لإجراء جراحة ثم استنزاف ما تبقى من قوته لصرف الدواء؟.
كبار السن يدفعون ثمن التعطيل
أما الحاج محمد عبدالحميد، البالغ 76 عامًا، فيروي أنه توجه إلى التأمين الصحي بمستشفى الهرم لاستكمال علاج أسنانه، بعدما عجز عن تحمل النفقات الخاصة، لكنه اصطدم بشرط تجديد البطاقة قبل السماح بالكشف.
وكان قد دفع، بحسب روايته، 500 جنيه لخلع ضرس و150 جنيهًا للكشف خارج التأمين، بينما بقيت احتياجات علاجية أخرى فوق قدرته المالية، ليتحول الملاذ المفترض إلى باب جديد من التعقيدات والمصروفات.
وطُلب منه استخراج برنت تأمينات وصورة شخصية وأوراق أخرى، ثم تنقل بين جهات لم يحصل خلالها على إرشاد واضح، وفق شهادته، فصار تجديد البطاقة رحلة منفصلة تستنزف مسنًا يبحث عن تخفيف ألمه.
ويكشف التعامل الموصوف مع صاحب المعاش قسوة إجراءات تُطبق دون مراعاة العمر والقدرة على الحركة، وتسمح بأن يتقدم الملف الورقي على احتياج الإنسان، بينما تبقى مسؤولية تسهيل الخدمة معلقة بين المكاتب.
وفي مستشفى التأمين الصحي بالمطرية، تنقل نور وجهًا آخر للأزمة، إذ تتولى صرف علاج والدتها وجدتها لصعوبة حركتهما، وتقول إن الانتظار والإجراءات يستهلكان جهدًا كبيرًا حتى ممن لا يعانون المرض بأنفسهم.
وتضيف أنها لم تجد بعض الأدوية المعتادة، ومنها علاج الغدة ودواء للأعصاب، رغم حصولها على أدوية أخرى، بما يجعل شكواها متعلقة بأصناف محددة ويستدعي فحص توافرها ومسار صرفها في المنشأة المعنية.
وفي نقد سابق لإدارة أزمة الدواء، أكد الدكتور الصيدلي مدحت الشربيني استمرار نواقص رغم زيادة أسعار أصناف، وطالب برقابة على الشركات المصنعة، منتقدًا استغلال بعض الشركات للأزمة لرفع أسعار أدوية لديها.
ويعني ذلك أن مسؤولية الحكومة لا تنتهي عند إعلان توافر المخزون؛ فالمعيار الذي يهم الأسر هو وصول العلاج المقرر فعلًا، ومنع تحول العجز عن الحصول عليه إلى شراء اضطراري يستنزف المعاشات والدخول المحدودة.
حجز إلكتروني يعيد إنتاج الفوضى
وتقدم شهادة ليلى، الموظفة التي قصدت مستشفى 6 أكتوبر للكشف في تخصص المخ والأعصاب، مثالًا على خدمة إلكترونية فقدت معناها حين أعادت صاحبتها إلى الطوابير نفسها، ثم تركتها دون الكشف المنتظر.
تقول ليلى إنها أُبلغت أولًا بضرورة الحجز عبر الإنترنت، وحصلت على موعد بعد أسبوع، يوم الخميس بين الحادية عشرة صباحًا والثانية عشرة ظهرًا، لكنها وجدت عند عودتها طابورًا جديدًا أمام شباك التسجيل.
وبحسب روايتها، قدمت ورقة الحجز والبطاقة وخطاب جهة العمل، ودفعت خمسة جنيهات للحصول على طابع التأمين الصحي، بعدما سبق أن دفعت عشرة جنيهات لمكتبة ساعدتها على إتمام الحجز الإلكتروني وطباعة موعده.
ثم فوجئت، وفق شهادتها، بأن الطبيب غادر قبل الموعد المثبت بالحجز، وأن الرد على اعتراضها كان أن موعد الإنترنت غير صحيح، وأن الراغبين في الكشف ينبغي أن يحضروا منذ الثامنة صباحًا.
وإذا ثبتت هذه الواقعة، فإنها تكشف إخفاقًا إداريًا فادحًا؛ إذ تتحمل المريضة كلفة التزامها بتعليمات المؤسسة، ثم تُطالب ضمنيًا بمعرفة جدول آخر يناقض الموعد الذي منحته لها المنظومة نفسها دون توضيح مسبق.
وفي مقال عن إدارة المؤسسات الصحية، شدد الدكتور خالد سمير، رئيس مجلس إدارة شركة أوبريتور، على أن كثيرًا من مشكلات الرعاية ترتبط بضعف الإدارة وغياب الثقافة المؤسسية وعدم الاستثمار في الإنسان.
وأوضح سمير أن تقييم الخدمة يتطلب النظر إلى وضوح الإجراءات واحترام المريض وسرعة حل المشكلات، وأن بناء المستشفيات وشراء الأجهزة لا يكفيان وحدهما، وهو نقد يضع جودة التشغيل في قلب المساءلة.
وتجمع هذه الشهادات اتهامًا ثقيلًا للأداء الحكومي، يستدعي تحقيقًا ومحاسبة وإصلاحًا معلنًا؛ فالمرضى يحتاجون دواء متاحًا وإجراءات مختصرة ومواعيد محترمة، وحكومة تُقاس بنتائج خدمتها، لا بقدرتها على مطالبة المنهكين بمزيد من الصبر.

