كيف تتجاوز تسويات شركة ومدفوعاتها ملياري جنيه، بينما تبقى ديونها قريبة من أربعة مليارات؟ هذا السؤال يتصدر أزمة «المتحدة للصيادلة»، بعدما طالبت «الأندلس الطبية» بفحص الأموال والأصول التي خرجت من الشركة.
الطلب العاجل أمام إدارة الإفلاس وإعادة الهيكلة بمحكمة القاهرة الاقتصادية يضع التسويات السابقة تحت المجهر، ويفتح مواجهة حول المستفيدين وقيمة الأصول، بينما يفرض اتساع الأزمة مساءلة أوسع عن الرقابة وسياسات حماية النشاط الاقتصادي.
مليارات التسويات تحت مجهر الدائنين
بحسب المادة المتاحة عن طلب إعادة الهيكلة رقم 2 لسنة 2025، تستند «الأندلس» إلى مذكرة دفاع قدمتها «المتحدة»، تضمنت تسويات ومدفوعات بنحو 2.214 مليار جنيه خلال السنوات الثلاث محل المطالبة بالفحص.
لكن سداد هذا المبلغ لا يثبت وحده وجود مخالفة، كما أن استمرار الديون لا يفسر تلقائيًا مصير الأموال؛ المطلوب كشف حركة المديونية والإيرادات والخسائر والتمويل الجديد، ومراجعة المستندات المؤيدة لكل تسوية.
وتشمل الأرقام الواردة بالطلب تسويات بقيمة 238 مليون جنيه مع «إيفا»، ونحو 232 مليونًا مع «أوركيديا»، و466.49 مليونًا لصالح «المهن الطبية»، وهي مبالغ تجعل المراجعة التفصيلية ضرورة لحسم اعتراضات الدائنين.
وتتسع القائمة لتضم نحو 106 ملايين جنيه لصالح «إيبيكس»، و170.41 مليونًا لـ«راميدا»، إضافة إلى مدفوعات لشركات أخرى؛ غير أن إعلان أسماء المستفيدين والأرقام لا يكفي لتقييم عدالة التسويات وشروطها.
الأكثر إثارة للتساؤلات بند تجاوزت قيمته 91.3 مليون جنيه تحت مسمى «مجموعة شركات»، بحسب الطلب؛ ولذلك تطالب «الأندلس» بتحديد كل مستفيد، وأصل دينه، والمقابل الذي حصل عليه، والسند التعاقدي للعملية.
وفي الخلفية، تظهر مطالبات مصرفية محددة لثلاثة بنوك تقارب 1.618 مليار جنيه، وفق الأرقام المنقولة عن حيثيات الحكم، بما يكشف حجم التشابك بين أزمة موزع الأدوية وانكشاف الجهات الممولة عليه.
وتبلغ مطالبة البنك التجاري الدولي نحو 995.697 مليون جنيه، وكريدي أجريكول مصر 493.151 مليونًا، بخلاف العوائد المذكورة، بينما تصل مطالبة HSBC مصر إلى 129.429 مليونًا، دون احتساب مديونية الإمارات دبي الوطني.
وفي نقد سابق للسياسات الاقتصادية، دعا الخبير الاقتصادي هاني توفيق إلى خفض الفائدة وتحفيز الإنتاج وإصلاح سلاسل الإمداد، معتبرًا أن مواجهة التضخم المرتبط بارتفاع الدولار تستلزم معالجة تكاليف الإنتاج وتشجيع الاستثمار.
وتطرح هذه الرؤية سؤالًا على الحكومة بشأن بيئة عمل الشركات وقدرتها على الاستمرار، لكنها لا تحدد أسباب تعثر «المتحدة»؛ فذلك يتطلب حساباتها الفعلية، ولا يعفي إدارتها من تفسير قراراتها المالية.
أصول خرجت وأسئلة بلا إجابات
لا تقف المطالبة عند الأموال النقدية؛ إذ تقول «الأندلس» إن تسويات شملت مخزن جملة أكتوبر، وشاليهات وقطع أراضٍ بالعين السخنة، وتطلب حصرها وتحديد تواريخ التصرف فيها وسندات ملكيتها وقيمتها.
هنا تصبح المقارنة بين قيمة الأصل والدين المسوى جوهر النزاع: هل حصلت الشركة على مقابل متناسب؟ وهل استند التقييم إلى معايير مستقلة؟ وهل أضعفت التسوية فرص بقية الدائنين في التحصيل؟
الإجابة لا توفرها القيمة السوقية الحالية وحدها، لأن تقييم القرار يستلزم معرفة قيمة الأصل وقت التصرف، وحالته والالتزامات المرتبطة به، والبدائل المتاحة آنذاك، إلى جانب مراجعة شروط العقد وأطرافه.
وتطالب «الأندلس» بتقديم عقود التسوية والمخالصات والتحويلات البنكية والشيكات والقيود المحاسبية، مع مستندات نقل الملكية؛ وهي تفاصيل تفصل بين سرد أرقام ضخمة وبين إثبات سلامة التصرفات أو وجود أسباب للاعتراض عليها.
وفي نقد سابق لإدارة الشركات العامة، انتقد مدحت نافع، الخبير الاقتصادي والرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية، ضعف الإدارة والرقابة، وحذر من اختزال قيمة الشركات في أراضيها بدلًا من قدرتها الإنتاجية.
حديث نافع يتعلق بإدارة أصول الدولة، وليس حكمًا على قضية «المتحدة»، لكنه يوضح خطورة تقديم بيع الممتلكات بوصفه علاجًا كافيًا للتعثر، دون برنامج يعالج أسباب الخسائر ويعيد بناء القدرة التشغيلية.
ومن هذه الزاوية، يستحق التوسع الحكومي في حلول التخارج والتصرف بالأصول نقاشًا أكثر صرامة: أين خطط استعادة الإنتاج؟ وما ضمانات التقييم والشفافية؟ وكيف يُقاس النجاح بعد تحصيل ثمن البيع؟
أما داخل نزاع «المتحدة»، فالأولوية التي تطلبها «الأندلس» واضحة: مراجعة التصرفات السابقة وتحديد إمكان استرداد أموال أو أصول قانونًا، قبل الانتقال إلى بيع ممتلكات إضافية لتوفير السيولة وسداد الالتزامات القائمة.
ولا تعني المطالبة بالاسترداد أن حقًا فيه قد ثبت؛ فالمادة المتاحة لا تتضمن نتيجة فحص مستقل تحسم الاعتراضات، ولذلك تبقى مسؤولية كل طرف وحدود المطالبات مرهونة بالمستندات وما ينتهي إليه القضاء.
أين الحكومة من حماية الدواء؟
تتجاوز أهمية النزاع حسابات شركتين، لأن تعثر موزع للأدوية يطرح مخاطر محتملة على انتظام التعاملات مع الموردين والصيدليات والعاملين، ويجعل الحفاظ على النشاط عنصرًا أساسيًا في تقييم أي خطة للإنقاذ.
وفي مقال سابق عن تسليع الصحة، انتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني سياسات الحكومة المتعلقة بتوسيع الخدمات الصحية المدفوعة والخصخصة، معتبرًا أن ربط الحصول على الرعاية بالقدرة المالية يهدد الحق في العلاج.
وتضيف هذه الرؤية بُعدًا اجتماعيًا للنقاش، دون أن تثبت أثرًا مباشرًا للأزمة على توافر الدواء؛ فالمطلوب بيانات عن التشغيل والتوزيع، حتى لا تتحول المخاوف المشروعة إلى استنتاجات تتجاوز الأدلة المتاحة.
السؤال الموجه للحكومة هنا ليس مطالبتها بسداد ديون شركة خاصة، بل توضيح أدوات رصد التعثر في قطاع حساس، وضمان استمرارية الإمدادات، وتنسيق الاستجابة قبل انتقال الاضطراب إلى حلقات أخرى.
أما الاكتفاء بخطاب تشجيع الاستثمار، دون إظهار كيفية التعامل مع المخاطر، فلا يجيب عن أسئلة العاملين والمتعاملين؛ فالقطاع يحتاج قواعد واضحة وبيانات قابلة للفحص، إلى جانب إجراءات تحمي المنافسة واستمرار النشاط.
وتطالب «الأندلس» كذلك ببيان الضرائب والرسوم والتأمينات والالتزامات الحكومية، وما سُدد منها وما تبقى، حتى تشمل المراجعة مختلف الدائنين، وتكشف اتجاهات الإنفاق والسداد خلال الفترة المطلوب إخضاعها للفحص المالي.
ويشمل طلبها فصل الأجور والكهرباء والتأمينات والتأجير التمويلي عن تسويات الديون، لأن المصروفات اللازمة لاستمرار التشغيل تختلف في غرضها عن نقل أصل أو سداد مطالبة ضمن اتفاق خاص مع دائن.
وبحسب الرواية المقدمة، انتهت دعوى الإفلاس أمام محكمة أول درجة بعد اعتماد خطة إعادة الهيكلة، بينما ظل الحكم محل الاستئناف رقم 832 لسنة 19 قضائية اقتصادية، مع الإشارة إلى جلسة 21 نوفمبر.
غير أن اعتماد خطة لا يجيب بذاته عن مصير كل مبلغ، كما أن اعتراض دائن لا يهدمها تلقائيًا؛ الاختبار الحقيقي هو قدرتها على تقديم حساب مفهوم وحماية الحقوق واستعادة التشغيل.
وفي غياب نتائج المراجعة، يظل السؤال مفتوحًا: أين ذهبت الأموال، وما المقابل الذي عاد للشركة؟ المطلوب إجابة موثقة تحدد المسؤوليات، لأن تدوير المديونيات وبيع الأصول لا يصنعان وحدهما إنقاذًا مستدامًا.

