تحول الزواج في مصر من خطوة اجتماعية طبيعية إلى مشروع مالي يحتاج سنوات من الادخار، بعدما تراكمت فوقه تكاليف السكن والذهب والأجهزة والأثاث، ثم مصاريف المعيشة التي تبدأ فعليًا بعد انتهاء حفل الزفاف.
تكشف الأرقام حجم الأزمة، إذ تراجعت عقود الزواج من 961.2 ألف عقد في 2023 إلى نحو 937 ألفًا في 2024، وارتفع الطلاق إلى 274 ألف حالة، فيما يضع مراقبون رقم 13.5 مليون متجاوز للثلاثين بلا زواج في قلب المشهد.
الغلاء يطارد حلم تكوين الأسرة
يبدأ عبء الزواج اليوم من البحث عن مسكن مناسب، ثم يمتد إلى الشبكة والأجهزة والأثاث والتشطيب، قبل أن يصل إلى الإيجار والطعام والمواصلات والخدمات، وهي التزامات تجعل البداية نفسها أقرب إلى اختبار اقتصادي طويل.
ومع كل زيادة في أسعار الذهب أو الأجهزة أو العقارات ترتفع كلفة تأسيس البيت، بينما لا تتحرك دخول قطاعات واسعة من الشباب بالسرعة نفسها، فتتحول سنوات العمل الأولى إلى محاولة للحاق بأسعار تسبق المدخرات.
وبحسب مراقبين، فإن تجاوز عدد من بلغوا الثلاثين ولم يسبق لهم الزواج 13.5 مليون شخص، بينهم نحو 11 مليون فتاة و2.5 مليون شاب، يكشف اتساع الأزمة بما يتجاوز فكرة عزوف الشباب الطوعي.
فالشاب الذي يريد الزواج لا يواجه مجرد تكلفة ليلة واحدة، وإنما يحتاج إلى سكن وتجهيزات وقدرة شهرية على الإنفاق، ما يجعل القرار مرتبطًا بالحسابات الاقتصادية أكثر من ارتباطه بالرغبة وحدها.
ويرى الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن مواجهة ارتفاع تكاليف الزواج تبدأ بتغيير ثقافة المجتمع والتخلي عن الموروثات القديمة والمقارنات التي تحولت إلى ما يسميه «الفشخرة الكدابة».
لكن تحميل ثقافة المظاهر وحدها المسؤولية يبقى، بحسب مراقبين، تفسيرًا ناقصًا، لأن أسرة تتخلى عن القاعة والشبكة الكبيرة تظل مطالبة بتدبير ثمن مسكن وأجهزة أساسية ومصاريف شهرية لا يمكن حذفها.
وتزداد المشكلة حين يصبح تأجيل الزواج هو الحل العملي الوحيد أمام شاب لا يستطيع جمع مقدم مسكن أو تحمل إيجار مستمر، فيتحول الوقت من فرصة لبناء المستقبل إلى سنوات انتظار مفتوحة.
وبحسب مراقبين، فإن الأزمة تكشف فجوة بين ما يحتاجه تأسيس أسرة وبين ما يستطيع كثير من الشباب تحمله، وهي فجوة لا تغلقها النصائح الاجتماعية ما لم تتراجع الضغوط المعيشية.
ولا يعني انخفاض عقود الزواج أن جيلًا كاملًا رفض الأسرة، بل يمكن قراءته باعتباره مؤشرًا على أن كلفة القرار أصبحت أعلى من قدرة شرائح واسعة على المجازفة بالدخول في التزامات طويلة.
وتظهر خطورة المشهد عندما تبدأ الحياة الزوجية بقروض وديون، لأن الأسرة الجديدة تدخل أول شهورها مثقلة بأقساط الأجهزة والأثاث والسكن، قبل أن تبدأ أصلًا مواجهة فواتير الطعام والكهرباء والمواصلات والعلاج.
الأجور تتراجع أمام فاتورة الزواج
لا تتوقف أزمة الزواج عند الأسعار المرتفعة، بل تمتد إلى مستوى الدخل نفسه، فكلما ضعفت قدرة الراتب على شراء الاحتياجات الأساسية تقلصت قدرة الشاب على الادخار، حتى لو عمل سنوات متصلة.
ويحذر وليد رشاد من أن أثر ارتفاع تكاليف الزواج لا ينتهي بانتهاء التجهيز، بل يمتد إلى داخل الحياة الزوجية من خلال الديون والضغوط المالية، بما يزيد احتمالات الخلاف وعدم الاستقرار.
وتكتسب هذه الملاحظة وزنًا أكبر مع ارتفاع حالات الطلاق إلى نحو 274 ألف حالة خلال 2024، مقابل تراجع عقود الزواج، وهي أرقام لا تفسر الأسباب وحدها لكنها تكشف هشاشة واضحة في المشهد الأسري.
وبحسب مراقبين، لا يجوز تحميل الغلاء مسؤولية كل حالة طلاق، لكن الضغط المالي المستمر يمكن أن يحول الخلافات العادية إلى أزمات أكبر، خصوصًا عندما تبدأ الأسرة من نقطة مثقلة بالديون.
وتصبح زيادة الدخل بلا أثر حقيقي إذا سبقتها الأسعار، لأن الشاب لا يقيس قدرته بعدد الجنيهات التي يحصل عليها، وإنما بما يستطيع شراؤه من مسكن وأجهزة وطعام وخدمات ضرورية.
ولهذا يرى مراقبون أن سياسات مواجهة أزمة الزواج لا ينبغي أن تكتفي بالدعوة إلى التيسير، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بما تطلبه أسرة العروس، بل بما تفرضه السوق على الطرفين.
فالزواج البسيط نفسه يحتاج إلى ثلاجة وغسالة وسرير ومسكن وقدرة على الإنفاق، وحتى بعد حذف الكماليات يبقى الحد الأدنى مكلفًا بالنسبة إلى شاب محدود الدخل أو غير مستقر وظيفيًا.
ومن هنا يتحول السؤال من كيفية تقليل تكلفة الفرح إلى كيفية ضمان قدرة الزوجين على الاستمرار بعده، لأن فشل الأسرة اقتصاديًا بعد أشهر أخطر من نجاحها في تنظيم حفل منخفض التكلفة.
وبحسب مراقبين، فإن أي معالجة تتجاهل العلاقة بين الأجور والسكن والأسعار ستظل معالجة جزئية، لأن الشاب لا يحتاج فقط إلى فرصة للزواج، بل إلى قدرة مستمرة على تحمل مسؤوليات الأسرة.
ويؤكد رشاد أن الزواج ليس شراكة اقتصادية فقط، وإنما شراكة اجتماعية تحتاج إلى التفاهم وتحمل المسؤولية، لكن الضغوط المالية الثقيلة قد تضع هذا التفاهم نفسه تحت اختبار يومي قاسٍ.
الفشخرة الكدابة تبتلع مدخرات الأسر
جاءت مبادرة «الزواج على القد» في قرية كمشيش بالمنوفية باعتبارها محاولة عملية لكسر دائرة المبالغة، عبر تقليل الشبكة والاكتفاء بالأجهزة الأساسية وإلغاء الحفلات المكلفة وتجنب الأرقام الوهمية في قوائم المنقولات.
وتقترح المبادرة ألا تتجاوز الشبكة الخاتم والدبلة في حدود عشرين جرامًا، مع تقليل المفروشات وإقامة الخطوبة بصورة بسيطة، وكتابة الموجودات الفعلية فقط، وتحديد مؤخر صداق يتناسب مع قدرة الزوج.
كما طرحت فكرة إعداد وثيقة تيسير تعرض على كبار العائلات وأئمة المساجد والشخصيات المؤثرة، بهدف تحويل التخفيف من اجتهادات فردية إلى اتفاق اجتماعي يقلل ضغط المقارنات على الأسر والشباب.
وتكشف هذه المبادرة حجم ما تفعله ثقافة الاستعراض في ميزانية الزواج، فبعض الأسر لا تكتفي بالأساسيات، وإنما تدخل سباقًا لإثبات أن ابنتها أو ابنها حصل على تجهيز أكبر من الآخرين.
ويرى رشاد أن استمرار المقارنات بين الأسر يحد من أثر مبادرات التيسير، لأن بعض العائلات تعتبر ما قدمه الآخرون معيارًا يجب تجاوزه، فتعود المبالغة نفسها حتى بعد ظهور دعوات للتقليل.
ويؤكد أن الحل يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير، مع دور لكبار العائلات والمؤسسات التعليمية والمجتمعية والإعلامية في مواجهة العادات التي تدفع الأسر إلى تحميل الزواج ما لا يحتمله.
لكن مراقبين يرون أن نجاح هذه المبادرات يظل محدودًا إذا بقيت الضغوط الاقتصادية كما هي، لأن تقليل الشبكة لا يخفض الإيجار، وإلغاء البوفيه لا يوفر وظيفة، وحذف الكماليات لا يرفع الدخل.
كما أن تخفيض الأرقام في قائمة المنقولات قد يخفف النزاعات والديون، لكنه لا يعالج وحده المشكلة الأكبر المتعلقة بكلفة الحياة اليومية التي تواصل الضغط على الزوجين بعد بداية الأسرة.
وتثبت حملات «بلاها شبكة» و«زواج بدون ذهب» وغيرها أن المجتمع يحاول منذ سنوات تخفيض الفاتورة من جانبه، إلا أن استمرار الأزمة يكشف أن المشكلة أوسع من مجرد خاتم أو حفل.
وبحسب مراقبين، فإن تحويل الأزمة كلها إلى مشكلة عادات يريح السياسات العامة من المساءلة، بينما الحقيقة أن السكن والدخل والعمل والأسعار عناصر حاسمة لا تستطيع المبادرات الأهلية التحكم فيها.
ولهذا يحتاج تيسير الزواج إلى مسارين متوازيين، أحدهما اجتماعي يواجه الاستعراض والمقارنات، والآخر اقتصادي يخفف تكلفة الأساسيات ويمنح الشباب دخلًا مستقرًا وقدرة واقعية على تأسيس بيت.
وفي النهاية، لا تبدو أزمة الزواج في مصر مجرد تغير في قيم جيل جديد، بل نتيجة تراكم ضغوط اقتصادية واجتماعية جعلت الخطوة الطبيعية مشروعًا عالي التكلفة يحتاج إلى سنوات من الانتظار.
وتبقى المبادرات المحلية خطوة مهمة في كسر «الفشخرة الكدابة»، لكنها لن تكون بديلًا عن معالجة جذور الأزمة، لأن الأسرة لا تحتاج فقط إلى زفاف أرخص، بل إلى حياة يمكن تحمل تكلفتها بعده.

