يكشف استمرار تجميد قانون الإدارة المحلية عن عجز سياسي متعمد في استكمال استحقاق دستوري ظل معطلاً منذ حل المجالس المحلية عام 2011، بينما تُترك المحافظات بلا رقابة شعبية حقيقية ولا مساءلة منتخبة.

 

يفضح غياب الانتخابات المحلية حجم التناقض بين الخطاب الرسمي عن اللامركزية وممارسة مركزية خانقة تحتكر القرار والخدمات والميزانيات، ثم ترفض وجود ممثلين منتخبين يستطيعون سؤال المسؤولين عن الفشل والإهدار والفساد.

 

 

قائمة مغلقة تخنق التمثيل المحلي

 

يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية والمنتقد لسياسات الحكومة، أن الإصرار على القائمة المغلقة المطلقة ليس تفصيلاً فنياً، بل آلية لإعادة إنتاج الموالين ومنع أي تنوع سياسي حقيقي داخل المجالس المحلية.

 

تتمسك الحكومة بتخصيص 75% من المقاعد للقوائم المغلقة، بما يسمح للكيانات المدعومة تنظيمياً ومالياً بالسيطرة على النتائج، بينما يجد المستقلون والقوى الصغيرة أنفسهم خارج المنافسة قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية.

 

يكشف رفض القائمة النسبية خوفاً واضحاً من ظهور أصوات معارضة داخل القرى والمراكز والأحياء، لأن هذا النظام يتيح تمثيلاً أقرب إلى وزن القوى السياسية والاجتماعية بدلاً من احتكار المقاعد عبر قوائم جاهزة.

 

لا تحتاج المحليات إلى مقاعد مزينة بشعارات حزبية فارغة، بل إلى ممثلين يعرفون أزمات الصرف الصحي والمدارس المتهالكة والطرق المنهارة واحتكار الأراضي، ويملكون الجرأة على كشف المسؤول عن استمرار تلك الكوارث.

 

تتحول القائمة المغلقة في هذا السياق إلى بوابة لاختيار وجوه مقبولة لدى السلطة، لا أشخاص اختارهم الناس بحرية، فتفقد الانتخابات معناها وتصبح عملية توزيع مقاعد تخدم التوازنات الأمنية والإدارية أكثر من مصالح المواطنين.

 

يمثل نحو 55 ألف مقعد محلي فرصة كبيرة لظهور قيادات شابة ونقابية واجتماعية من القواعد الشعبية، لكن السلطة تبدو أكثر ارتياحاً لفراغ سياسي طويل يمنع تكوين أي بديل محلي مستقل عنها.

 

لا يقتصر الخلاف على طريقة التصويت، بل يمتد إلى سؤال أبسط وأخطر: هل تريد الدولة مجالس تعبّر عن الناس أم مجالس تكرر بيانات المسؤولين وتصفق للخطط الفاشلة دون مراجعة أو اعتراض؟

 

تؤدي إطالة أمد التجميد إلى حرمان المواطنين من حقهم في اختيار من يتابع الخدمات اليومية، فيما تبقى الشكاوى معلقة بين الحي والمحافظة والوزارة، وتضيع المسؤولية داخل شبكة بيروقراطية لا يحاسبها أحد.

 

تزداد خطورة هذا المسار لأن المحليات هي المدرسة الطبيعية للعمل العام، وتعطيلها يمنع المجتمع من إنتاج كوادر مدنية قادرة على المنافسة، ويترك المجال السياسي محصوراً في دوائر مغلقة بعيدة عن الناس.

 

 

محافظون بلا مساءلة شعبية

 

يؤكد خالد علي، المحامي الحقوقي والمنتقد لسياسات الحكومة، أن أي مجلس محلي بلا حق استجواب المحافظ أو سحب الثقة منه هو كيان شكلي، لأن الرقابة الحقيقية تبدأ حين يستطيع المنتخبون محاسبة التنفيذيين.

 

تعترض السلطة التنفيذية على منح المجالس المنتخبة صلاحيات واسعة لمراجعة أداء المحافظين، وكأن السؤال عن تأخر مشروع أو إهدار موازنة أو انهيار خدمة يمثل تهديداً للدولة، لا حقاً أصيلاً للمواطنين.

 

يُبقي التمسك بتعيين المحافظين من أعلى السلطة التنفيذية العلاقة مع المواطنين في اتجاه واحد، إذ يصدر المسؤول قراراته من فوق بلا تفويض شعبي مباشر، ثم لا يجد أمامه مجلساً منتخباً يراجعه علناً.

 

تتحدث المسودات الحكومية عن لامركزية تدريجية ونقل اختصاصات خدمية، لكنها لا تقدم ضمانات كافية لاستقلال القرار المحلي أو حماية المجالس من الهيمنة الإدارية، فتبدو اللامركزية مجرد لافتة جميلة بلا مضمون فعلي.

 

يفقد المواطن ثقته في أي مجلس لا يستطيع إلزام المسؤول بالحضور أو تقديم مستندات الإنفاق أو تفسير تعطل المشروعات، لأن المجالس الاستشارية لا تحل أزمة القمامة ولا توقف البناء المخالف ولا تعيد حقاً ضائعاً.

 

تحتاج القرى والمراكز إلى رقابة لصيقة على التراخيص والمناقصات وتخصيص الأراضي والموازنات، وهي الملفات التي يتسع فيها نفوذ الوسطاء والمصالح الضيقة كلما غابت أعين منتخبة قادرة على كشف التجاوزات.

 

يكشف القلق من صلاحيات الاستجواب أن المشكلة ليست في صياغة قانونية معقدة، بل في رفض سياسي لفكرة أن يصبح المسؤول المحلي خاضعاً للسؤال العلني من أشخاص اختارهم المواطنون لا من موظفين تابعين له.

 

تطرح بعض المشروعات آليات لسحب الثقة والمساءلة، لكن بقاء هذه الأدوات في النصوص دون ضمانات لتنفيذها سيحولها إلى ديكور تشريعي، خصوصاً إذا استمرت الجهات التنفيذية في التحكم بالموارد والقرارات الأساسية.

 

لا يمكن معالجة فساد المحليات بالرقمنة وحدها، لأن الشاشة لا تحاسب مسؤولاً ولا تمنع المجاملة في توزيع الخدمات، بينما المجلس المنتخب القوي يستطيع تحويل شكاوى الناس إلى ملفات معلنة ومساءلات محددة.

 

 

موازنة غائبة وتأجيل مفتوح

 

يقول عبد الخالق فاروق، الباحث الاقتصادي والناقد لسياسات الحكومة، إن التذرع بعدم وجود مخصصات مالية للانتخابات يفضح خللاً في ترتيب الأولويات، لأن الدولة تنفق على مشروعات كثيرة بينما تؤجل أبسط أدوات الرقابة الشعبية.

 

تحتاج انتخابات تضم عشرات الآلاف من الأعضاء إلى تمويل وتنظيم واسع، لكن غياب بند واضح في الموازنة لا يبدو عائقاً مفاجئاً، إذ ظل الملف مؤجلاً لسنوات طويلة وكان يمكن الاستعداد له تدريجياً.

 

يُستخدم العبء المالي كذريعة مريحة لتأجيل الاستحقاق، رغم أن كلفة غياب الرقابة المحلية أكبر بكثير من كلفة صناديق الاقتراع، لأن الفساد وسوء الإدارة وتعطيل الخدمات تلتهم أموالاً عامة بلا حساب.

 

يرتبط الحديث عن تأجيل القانون حتى 2028 باحتمال تعديل بعض المواد الدستورية، وهو ربط يفتح الباب لتعليق حقوق المواطنين على قرارات سياسية مؤجلة، بدلاً من إنجاز قانون يضمن التمثيل والرقابة فوراً.

 

تسلم مجلس النواب أربعة مشروعات مختلفة للقانون من الحكومة ونواب وأحزاب، بما يؤكد أن البدائل التشريعية موجودة، لكن غياب الإرادة السياسية يحول النقاش القانوني إلى دوران طويل داخل لجان لا تنتهي.

 

يركز مشروع الحكومة على إعادة تنظيم الهياكل الإدارية والرقمنة وتقديم الخدمات، بينما تدفع مشروعات أخرى نحو توسيع سلطات الرقابة والتمثيل، وهو الفارق الذي يكشف أن الخلاف الحقيقي يدور حول توزيع القوة لا حول الصياغة.

 

تقدم مسودة أحمد السجيني تفاصيل تتعلق بالتقسيم الإداري وشروط الانتخابات وتمثيل الشباب والمرأة والعمال والفلاحين، لكن قيمة هذه التفاصيل تبقى محدودة إذا لم تُضمن للمجالس قدرة فعلية على محاسبة السلطة التنفيذية.

 

يطالب مشروع حزب الوفد بتوسيع الرقابة الشعبية وتمثيل الأحزاب والمستقلين، فيما يطرح مشروع حزب التجمع دوراً أكبر للمجالس في التخطيط الاستثماري ومراقبة الموازنات، وهي أفكار تصطدم برفض مركزي مستمر.

 

يبقى تعطيل المحليات رسالة قاسية للمواطنين مفادها أن المشاركة مقبولة ما دامت بلا تأثير، وأن الانتخابات يمكن تأجيلها كلما اقتربت من رقابة حقيقية، بينما تستمر المحافظات في إدارة أزماتها بلا تفويض ولا محاسبة.