شن جيتاتشو ردا، الوزير ومستشار رئيس الوزراء الإثيوبي للشؤون الأفريقية الشرقية، هجومًا على مصر، واصفًا ما قال إنها مطالبة من جانبها بالسيطرة الحصرية على نهر النيل بأنها "وهم متقادم"، معتبرًا في الوقت ذاته أن تدخلاتها الإقليمية تأتي بنتائج عكسية وتنطوي على مخاطر.
وقال جيتاتشو في مقابلة حصرية مع قناة "نبض أفريقيا": "المصريون بارعون جدًا في خلق واقع مصطنع"، واصفًا إصرار مصر المستمر على أن نهر النيل ملك لها وحدها، وليس موردًا مشتركًا بين دول المنبع والمصب، بأنه "قائم على اعتبار النهر ملكية مصرية خالصة".
وأشار إلى جرأة هذا الموقف، قائلًا إنه لا ينبغي أن يثير الاستغراب إذا ما ادعى مصري أن مصر نفسها هي مصدر النيل.
الحقوق التاريخية
وأوضح جيتاتشو أن مصر أظهرت قدرة كبيرة على تطويع العلم ليتوافق مع السردية التي تفضلها، وأدى ذلك في المجال السياسي، إلى ترسيخ شعور عميق بالاستحقاق أطلقت عليه مصر تسمية "الحقوق التاريخية"، إلى درجة يصعب معها على مصري أن يتصور وجود شعوب تقع في منابع النيل وقد تكون لها هي الأخرى احتياجات لاستخدام مياهه، سواء لتوليد الطاقة الكهرومائية أو الري أو غيرهما من الأغراض.
واستنادًا إلى أفكار الفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي، قال مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي، إن مصر طورت هيمنة ثقافية واجتماعية وتاريخية على الطريقة التي ينظر بها المصريون إلى النيل، عازيًا ذلك إلى ما وصفه بالتفسير الأحادي الجانب لأهمية النهر.
وأضاف أن نتيجة ذلك هي اعتبار أي محاولة من دول حوض النيل الأخرى لاستخدام هذه الموارد المائية أمرًا غير مقبول. وأوضح أن التصور المصري لـ«الحقوق التاريخية» يقوم ببساطة على فكرة أن من استخدم المياه أولًا يجب أن يستمر في استخدامها إلى أجل غير مسمى.
وتابع: "أصبحت الحقوق التاريخية متقادمة لأنها غير مقبولة"، مضيفًا أن المفهوم اللاحق المتمثل في "الأمن المائي"، والذي جرى الترويج له في الأوساط الدولية، ليس سوى تسمية أخرى للمطالبة القديمة نفسها.
"قضية النيل مسألة وجودية بالنسبة لمصر"
ورفض جيتاتشو اعتبار قضية النيل مسألة وجودية بالنسبة لمصر، قائلًا إن القادة المصريين يعمدون إلى تأطير القضية باعتبارها قضية أمنية تحديدًا من أجل الحفاظ على الاحتكار. وقال: "للساسة المصريين علاقة معقدة للغاية بالواقع".
ووجه الوزير الإثيوبي نقدًا لاذعًا إلى مصر في إدارة المياه، إذ قال إنها تتبع، في رأيه، بعضًا من أسوأ ممارسات إدارة المياه، مستشهدًا بمشروعات كثيفة الاستهلاك للمياه، مثل مشروع توشكى، بما في ذلك ملاعب الجولف ومشروعات أخرى في الصحراء، باعتبارها أمثلة على ما وصفه بسوء إدارة المياه.
وأشار كذلك إلى أن كمية المياه التي تتبخر سنويًا من السد العالي في أسوان تتجاوز بكثير كمية المياه المخزنة في خزانات إثيوبيا.
وقال جيتاتشو إن النظام المصري عمل بصورة منهجية على زعزعة استقرار إثيوبيا، التي تمثل مصدر الحصة الأكبر من مياه النيل، والسودان الذي يمتلك إمكانات كبيرة في مجال الري.
وأضاف أن عدم الاستقرار في السودان يخدم، حسب رأيه، مصالح مصر من خلال منع السودان من الاستفادة الكاملة من النهر. واستشهد بما وصفه بازدواجية واضحة، مشيرًا إلى أنه في الوقت الذي تحظر فيه مصر جماعة الإخوان المسلمين وتقمعها، فإن السلطات المصرية دعمت عناصر مرتبطة بالجماعة في السودان، وفق زعمه.
"المناورات السياسية المصرية قصيرة النظر"
ووصف جيتاتشو المناورات السياسية المصرية بأنها قصيرة النظر. وأكد أن الخيار الأفضل لمصر، وفقًا لرأيه، هو التخلي عن استراتيجيتها التي أخفقت، والتوصل إلى تفاهم مع إثيوبيا، والعمل من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي. وشدد على أن إثيوبيا والسودان المستقرين لن يمسا أبدًا بالمصالح المشروعة لمصر.
وقال إن إثيوبيا، بصفتها دولة من دول المنبع، تملك كامل الحق في استخدام مواردها المائية، مضيفًا: "مشكلة مصر هي أنها لا تستطيع التوصل إلى تفاهم مع الواقع".
وأوضح: "نصيحتي هي أن الواقع قد تغير، وتغير إلى الأبد. إن محاولة فرض رؤيتهم للعلم وعلوم المناخ والهيدرولوجيا على دول المنبع أمر متجاوز للزمن ويأتي بنتائج عكسية. كما أن انخراطهم المكثف في أنشطة زعزعة الاستقرار في المنطقة يأتي بنتائج عكسية بالقدر نفسه، وقد يكون خطرًا عليهم هم أيضًا".
وشدد جيتاتشو على أن أي مفاوضات أو وساطة حقيقية يجب أن تجمع الطرفين إلى طاولة واحدة، وأن تستند إلى الواقع والعلم، وليس إلى السياسة. وختم قائلاً: "الجغرافيا مستقرة. لا يمكنك تغيير الجغرافيا".

