بدأ القضاء العراقي محاكمة ستة فرنسيين يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش»، في خطوة تعيد ملف المحتجزين الأجانب إلى الواجهة، وتضع إجراءات المحاسبة أمام اختبار يجمع حقوق الضحايا وضمانات الدفاع الأساسية.


وفي مستهل الإجراءات، تلا قاضي محكمة الكرخ الاتهامات الموجهة إلى المتهمين، وأعلن انتداب محامين للدفاع عنهم والسماح بعقد لقاءات بين الطرفين، قبل تأجيل الجلسة إلى الخامس من الشهر المقبل لاستكمال المحاكمة.

 

نجموعة تضم 47 فرنسيًا

 

وفي تفاصيل القضية، تشير المعلومات المنقولة عن مصدر قضائي عراقي إلى أن المتهمين الستة ينتمون إلى مجموعة أولى تضم سبعة وأربعين فرنسياً، نُقلوا من سوريا إلى العراق خلال سنة 2025.


ومع ذلك، لم تُعلن هويات الفرنسيين الستة الذين مثلوا أمام المحكمة، وهو ما يستوجب الفصل بين المعلومات المتعلقة بالمجموعة المنقولة إجمالاً، وبين تحديد الأشخاص المشمولين بهذه الجلسة والاتهامات الفردية بحقهم.


وفي هذا السياق، ورد اسم أدريان غييال ضمن الحديث عن الفرنسيين المحتجزين، مقروناً بنشاطه الدعائي للتنظيم وتبنّي هجوم نيس باسمه، لكن ذلك لا يحسم وجوده بين المتهمين الستة في الجلسة.


كذلك، يعيد ذكر هجوم نيس إلى الذاكرة مقتل ستة وثمانين شخصاً في الرابع عشر من يوليو سنة 2016، بينما تبقى المسؤوليات الفردية عن الجرائم المختلفة موضوعاً للإثبات والتحقيق أمام القضاء.


ومن الناحية الإجرائية، يمثل انتداب محامين والسماح لهم بالاجتماع بالمتهمين خطوة ضرورية، غير أن قيمة هذه الخطوة تتحدد بمدى تمكين الدفاع من الاطلاع على الملفات ومناقشة الأدلة وإعداد مرافعاته بحرية.


وبالتوازي، يفتح تأجيل المحاكمة مساحة زمنية إضافية أمام الدفاع، لكنه لا يكشف وحده عن كفاية الوقت المتاح، ولا عن حجم الوثائق والشهادات التي سيُطلب من المحامين فحصها خلال الفترة المقبلة.


وعلى مستوى الاتهام، لا يكفي إدراج المتهمين تحت وصف جماعي مرتبط بالتنظيم، إذ تتطلب المحاسبة تحديد الأفعال المنسوبة إلى كل شخص، والتمييز بين المشاركة المباشرة والتحريض وأشكال الارتباط الأخرى المحتملة.


وبناءً على ذلك، تتجاوز أهمية الجلسة عدد من مثلوا أمام القاضي، لأنها تطرح سؤالاً عن قدرة المحاكم على التعامل مع ملفات عابرة للحدود، تتوزع وقائعها وشهاداتها بين بلدان وسنوات مختلفة.


أحكام سابقة وضمانات تحت الاختبار


وفي خلفية المحاكمة، سبق أن أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة في قضايا مرتبطة بالإرهاب والقتل والانتماء إلى جماعات إرهابية، وشملت هذه الأحكام أشخاصاً عراقيين وآخرين من الأجانب.


ومن بين السوابق الواردة في ملف الفرنسيين، صدرت سنة 2019 أحكام بالإعدام بحق أحد عشر فرنسياً، قبل تخفيض العقوبات في مرحلة الاستئناف إلى السجن مدى الحياة، بما يبرز أهمية مراجعة الأحكام.


غير أن صدور أحكام سابقة لا يقدم دليلاً على إدانة المتهمين الحاليين، فكل قضية تظل مرتبطة بوقائعها وأدلتها، ولا يجوز تحويل الجنسية المشتركة أو تشابه الاتهامات إلى بديل عن الإثبات.


وفي المقابل، انتقدت مجموعات حقوقية الطابع المستعجل لمحاكمات مرتبطة بقضايا الإرهاب في العراق، وأثارت اعتراضات على غياب ضمانات إجرائية كافية، بما يجعل متابعة إجراءات هذه القضية مسألة تتجاوز الاهتمام الإعلامي.


ومن هنا، تصبح علنية الإجراءات وإتاحة الدفاع وفحص سلامة الاعترافات عناصر جوهرية في تقييم المحاكمة، خصوصاً عندما تكون العقوبات المحتملة شديدة، وعندما يصعب تعويض الضرر الناجم عن حكم خاطئ لاحقاً.


فضلاً عن ذلك، يثير احتجاز آلاف المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم تحدياً يتعلق بالقدرة الاستيعابية للمؤسسات القضائية، إذ ينبغي ألا تتحول كثرة الملفات إلى مبرر لاختصار التحقيق أو إضعاف فرص الدفاع.


وفي الوقت نفسه، لا تتعارض المطالبة بمحاكمة عادلة مع محاسبة مرتكبي المجازر، بل تمنح الأحكام أساساً أقوى، وتقلل احتمالات الطعن في مشروعيتها بسبب إجراءات متسرعة أو أدلة لم تُختبر بصورة كافية.


ولهذا، تبدو الجلسات المقبلة حاسمة في إظهار طبيعة القضية وحدودها، عبر عرض الأدلة ومناقشتها وتحديد مسؤولية كل متهم، بعيداً عن الاكتفاء بصورة عامة عن جرائم التنظيم أو الانتماءات المنسوبة إليه.


ضحايا التنظيم ينتظرون كشف الحقيقة


وعلى الجانب الآخر، تبقى معاناة ضحايا التنظيم حاضرة خلف ملفات المحاكم، بعدما تركت سنوات سيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا قتلى ومفقودين وأسرًا تنتظر معرفة مصير أبنائها والوصول إلى الحقيقة.


وفي هذا الإطار، تشكل المقابر الجماعية التي خلّفها التنظيم واحداً من أثقل الملفات المفتوحة، خصوصاً مع بقاء مواقع لم تُكتشف بعد، وأخرى لم تُفتح، وشهادات كثيرة ما زالت تنتظر التحقيق.

 

كما أن الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى ربط الشهادات بالأدلة المادية، وتوثيق مواقع الجرائم وحفظ المعلومات المتعلقة بالمفقودين، حتى لا تختزل المحاسبة في إثبات انتماء تنظيمي منفصل عن الجرائم المرتكبة.


وبالنسبة إلى أسر الضحايا، لا يقتصر مطلب العدالة على العقوبة، بل يشمل معرفة ما حدث وتحديد المسؤولين ومواقع الرفات، والحصول على إجابات تنهي سنوات الانتظار وتمنع استمرار الغموض حول مصير المفقودين.


ومن ثم، تكتسب محاكمة الأجانب أهمية إضافية حين تسهم في كشف شبكات التجنيد والتمويل والتنفيذ، بشرط أن تستند النتائج إلى أدلة قابلة للفحص، وألا تُحمَّل القضية استنتاجات تتجاوز ما تثبته التحقيقات.


وفي امتداد لهذا الملف، يطرح نقل المحتجزين من سوريا إلى العراق أسئلة عملية حول انتقال الأدلة وإمكانية الوصول إلى الشهود، واستمرار توثيق الوقائع، وتوفير المعلومات اللازمة لمحاكمات تستطيع الفصل بين المسؤوليات الفردية.


وفي المحصلة، يظل معيار نجاح المسار القضائي هو قدرته على الجمع بين إنصاف الضحايا وصون حقوق المتهمين، لأن الأحكام التي تقوم على تحقيق متماسك تمنح المحاسبة معنى يتجاوز إعلان العقوبات.


وأخيراً، يبقى موعد الجلسة المقبلة محطة إجرائية في قضية لم تُحسم، بينما تتجه الأنظار إلى الأدلة التي ستُعرض وضمانات مناقشتها، وإلى قدرة المحاكمة على تقديم إجابات للضحايا دون استباق أحكام القضاء.