تفرض جامعة أسوان على طلابها المغتربين، ولا سيما الطالبات، إجراءات سكن تتجاوز تنظيم الإقامة إلى فرض وصاية مالية واجتماعية قاسية، فتدفع أسرًا للبحث عن بدائل أبعد وأغلى وأقل أمانًا.
وتحوّل هذه الشروط حق الطالبة في سكن جامعي آمن إلى امتحان إذلال للأسر، بين البحث عن ضامن موظف وتقديم شهادات مالية وإقرارات شخصية تمس الخصوصية والكرامة دون مبرر تعليمي مقنع.
وبينما يفترض أن تكون المدن الجامعية مظلة حماية للدارسين القادمين من محافظات بعيدة، تبدو الإجراءات الجديدة كأنها بوابة استبعاد صامتة، تفرز المقبولين بقدرتهم على استيفاء الأوراق لا بحاجتهم الفعلية للسكن.
كما أن اشتراط ضامن من موظفي الدولة يوافق على الخصم المباشر من راتبه يحمّل الأسرة عبئًا لا علاقة له بالتحصيل الدراسي، ويضع الطالب تحت تهديد مالي دائم بسبب مكان إقامته.
ولم تكتف الجامعة بضمان السداد، بل طلبت شهادة من جهة عمل الضامن تؤكد دخله الشهري، بما يحول المدينة الجامعية من خدمة عامة إلى معاملة ائتمانية قاسية لا تراعي ظروف الأسر.
ثم تأتي شروط الطالبات لتفتح بابًا أخطر، إذ تطلب إقرارًا بعدم الزواج وعدم سبق الزواج، مع توقيع شاهدين، وكأن السكن الجامعي أصبح سلطة تفتيش في الحياة الخاصة.
غير أن السؤال البديهي يبقى حاضرًا: ما علاقة الحالة الاجتماعية بحق طالبة في الإقامة قرب كليتها، وما المبرر لأن يوقع شاهدان على تفاصيل شخصية لا تخص إدارة الدراسة؟
ولذلك لا تبدو الأزمة مجرد ورقة إدارية سيئة الصياغة، بل تعبيرًا عن عقلية تتعامل مع الفتاة باعتبارها محل رقابة وشبهة، لا طالبة تستحق الحماية والاحترام والفرصة المتكافئة.
الضمان المالي عقوبة للأسر
ويرى الحقوقي نجاد البرعي أن تحميل الأسر التزامات ضمان مبالغًا فيها مقابل خدمة تعليمية أساسية يعكس توسعًا إداريًا بلا رقابة، ويحول الحق في التعليم إلى امتياز مرتبط بالعلاقات والقدرة المالية.
كما أن طلب ضامن موظف يخلق تمييزًا مباشرًا ضد العائلات التي لا تملك صلات وظيفية أو أقارب داخل الجهاز الحكومي، ويضع أبناء العمال والحرفيين وأصحاب الأعمال الحرة في موقع أضعف.
وبدلًا من وضع نظام تحصيل واضح وميسّر، تُلقي الإدارة عبء المخاوف المالية على كاهل موظف قد يرفض التوقيع خوفًا من الخصم من راتبه أو الدخول في نزاع مستقبلي.
ثم إن الحديث عن راتب يزيد على 400 جنيه يبدو منفصلًا عن واقع الأجور والأسعار، فالقضية ليست في الرقم وحده، بل في منطق تحويل إقامة الطالب إلى التزام مالي مفروض على شخص ثالث.
وفي المقابل، تستطيع الجامعات تنظيم السداد عبر أقساط معلنة وإنذارات واضحة وضمانات محدودة، دون إجبار أسرة مغتربة على مطاردة توقيع موظف يخاطر بدخله من أجل طالبة لا يعرفها.
وبذلك يتحول الشرط إلى حاجز عملي أمام سكان الجيزة والقاهرة والدلتا والمحافظات البعيدة، خصوصًا عندما يطلب العثور على ضامن قادر وراغب في الالتزام داخل نطاق إداري مختلف تمامًا.
إقرار العزوبة انتهاك للخصوصية
وتؤكد المحامية والناشطة الحقوقية عزة سليمان أن ربط السكن الجامعي بالحالة الاجتماعية للطالبات يكرس الوصاية التمييزية، ويمنح الإدارة نفوذًا لا يتصل بطبيعة التعليم أو متطلبات الإقامة الآمنة.
كما أن إجبار ولي الأمر على التعهد بأن ابنته لم تتزوج ولن تتزوج خلال الدراسة يضع حياة الطالبة الخاصة تحت تهديد الفصل، بدل أن تحمي الجامعة حقها في استكمال تعليمها.
ولا يمكن تبرير هذا الإجراء باعتبارات الانضباط، لأن الانضباط الجامعي يُنظم بسلوك الإقامة واحترام اللوائح، لا بتحويل الزواج أو عدمه إلى شرط للقبول أو سبب للطرد الفوري.
ثم إن توقيع شاهدين على عذرية الطالبة أو عدم سبق زواجها يمثل إهانة اجتماعية صريحة، ويفتح الباب أمام انتهاك الكرامة ونشر معلومات شخصية لا حق للإدارة في طلبها.
وعلاوة على ذلك، فإن اشتراط حصر الزائرين في 3 أشخاص بأسمائهم ودرجات قرابتهم يضاعف الإحساس بالمراقبة، ويعامل الطالبات كأنهن محتجزات لا دارسات يحتجن دعم أسرهن خلال الغربة.
لذلك تفرض هذه القيود على الفتاة عبئًا لا يواجهه الطالب بالقدر نفسه، وتدفع بعض الأسر إلى رفض سفر بناتهن أو البحث عن سكن خاص مكلف قد يفتقر للأمان والرقابة.
سكن آمن لا بوابة إقصاء
ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق أن هذه اللوائح تعكس أزمة ثقة بين المؤسسات والأسر، فبدل توفير بيئة داعمة تتحول الخدمة العامة إلى شبكة من الشروط والإذن والتهديد.
كما أن المدن الجامعية أنشئت لتقليل كلفة الاغتراب وحماية الطلاب من الاستغلال في سوق الإيجارات، لا لإجبارهم على قبول شروط تضع كرامتهم وخصوصيتهم مقابل سرير وغرفة.
ومن ثم فإن الأسرة التي تعجز عن استكمال هذه المتطلبات قد تضطر إلى سكن بعيد، بما يعني وقتًا أطول في المواصلات، وإنفاقًا أكبر، ومخاطر متزايدة على الطالبات بعيدًا عن الحرم الجامعي.
وفي ظل رفض أو صعوبة التحويلات الجامعية، تصبح المدينة الجامعية ضرورة لا رفاهية، ويغدو التضييق في شروطها عقابًا إضافيًا للطالب الذي لم يختر موقع كليته أو تكاليف اغترابه.
كذلك يحتاج الأمر إلى إعلان واضح يحدد السند القانوني لكل شرط، ومدى توافقه مع الحق في الخصوصية وعدم التمييز، بدل الاكتفاء بالقول إن استيفاء البيانات واعتمادها إلزامي.
وبين حق الجامعة في تنظيم الإقامة وحق الطلاب في الكرامة، لا يجوز أن تنتصر البيروقراطية على المنطق، ولا أن تصبح استمارة السكن وسيلة لفرز الأسر وإهانة الطالبات.
وأخيرًا، فإن التراجع عن هذه القيود ليس منحة إدارية، بل واجب ضروري لضمان أن تبقى الجامعة مكانًا للتعليم لا مؤسسة تعاقب الفقر وتفتش الحياة الخاصة وتدفع البنات بعيدًا عن الأمان.

