يفتح خفض الحد الأدنى للقبول في الطب إلى 50% والهندسة إلى 67% بابًا خطيرًا لتحويل الشهادة الجامعية من استحقاق علمي إلى سلعة، يدفع ثمنها الطالب والأسرة ثم يدفع المجتمع كلفتها في المستشفيات ومواقع العمل.

 

وتتسع الأزمة حين تسمح منظومة التعليم بمقاييس متباينة بين جامعة وأخرى وتخصص وآخر، بينما تظل المهن الطبية والهندسية مرتبطة مباشرة بحياة الناس وسلامتهم، فلا يحتمل التعامل معها بمنطق المقاعد المدفوعة والأرباح المتصاعدة.

 

 

الطب بين المال وسلامة المرضى

 

وفي القطاع الطبي، أثار قبول طلاب بمجاميع تبدأ من 50% في كليات طب تابعة لفروع جامعات أجنبية غضبًا واسعًا، لأن الفارق مع الحدود المعتمدة داخل الجامعات الخاصة يطرح سؤالًا صريحًا عن عدالة القواعد ومعنى الكفاءة.

 

كما حذر أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء والمنتقد لسياسات تحويل التعليم إلى مجال استثماري، من أن فتح أبواب الطب لمجاميع متدنية يضرب قيمة التأهيل العلمي ويضع سلامة المرضى في مواجهة حسابات الجذب المالي.

 

وبينما يحتاج طالب الطب إلى أساس متين في العلوم وقدرة على استيعاب سنوات شاقة من الدراسة والتدريب، يجري التعامل مع الحد الأدنى وكأنه رقم قابل للتفاوض كلما ظهرت رغبة في ملء مقاعد جديدة.

 

ثم إن التفاوت بين شروط القبول لا يخلق منافسة تعليمية حقيقية، بل يصنع مسارين متناقضين لشهادة واحدة ومهنة واحدة، أحدهما تحكمه درجات صارمة والآخر يفتح الطريق لمن يستطيع سداد الرسوم المرتفعة.

 

وفي هذا السياق، طالبت نقابة أطباء الإسكندرية بتوحيد الحدود الدنيا للقبول، ووقف استقبال الطلاب في الكليات التي تفتقد المستشفيات الجامعية القادرة على توفير تدريب سريري فعلي ومنضبط للدارسين.

 

كما أن غياب المستشفى الجامعي ليس تفصيلًا إداريًا يمكن تجاوزه بالدعاية أو الشراكات المؤقتة، لأن التدريب مع المرضى هو الاختبار الحقيقي للطالب قبل أن يحمل مسؤولية التشخيص والعلاج واتخاذ القرار الطبي.

 

ولذلك تبدو فكرة التوسع في المقاعد الطبية قبل ضمان جودة التدريب خطوة مقلوبة، تبدأ بتحصيل الرسوم وتنتهي بمحاولة علاج عيوب التعليم بعد التخرج، حين تصبح الأخطاء المهنية أكثر كلفة وأشد خطورة.

 

وبدوره، يؤكد أسامة عبد الحي أن الطب لا يحتمل منطق السوق المنفلت، فالمريض لا يسأل عن لافتة الجامعة أو حجم مصروفاتها، وإنما يحتاج طبيبًا مؤهلًا يملك علمًا ومهارة وضمانة تدريب حقيقية.

 

 

توحيد المعايير أم حراسة الأرباح

 

وفي البرلمان، أعلنت إيرين سعيد، عضو مجلس النواب والطبيبة المنتقدة لارتباك سياسات القبول، استعدادها لتقديم طلب إحاطة حول اتساع الفوارق بين الجامعات الخاصة وفروع الجامعات الأجنبية في شروط الالتحاق.

 

كما شددت سعيد على أن التنسيق ليس مجرد بوابة إلكترونية لترتيب الأسماء، بل معيار أولي يحدد قدرة الطالب على دخول تخصص شديد التعقيد، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالطب والصيدلة وسائر المهن الصحية.

 

وبينما ترفع الدولة شعارات تطوير التعليم والارتقاء بالمستوى الأكاديمي، تسمح قواعدها بمشهد يعاكس تلك الشعارات، إذ يختلف الحد الأدنى جذريًا لمجال واحد رغم تشابه المهنة والمخاطر والمسؤولية بعد التخرج.

 

ثم إن ادعاء تنويع المسارات التعليمية لا يبرر إلغاء الحد الأدنى المنطقي للكفاءة، لأن التنوع يعني تحسين البدائل والمناهج، لا تخفيض الشروط حتى تصبح الجامعة الخاصة منفذًا جانبيًا لمن لم تؤهله درجاته.

 

وفي المقابل، تفرض الأرقام ضرورة رقابة أشد مع وجود 39 جامعة خاصة و33 جامعة أهلية، لأن التوسع العددي بلا ضوابط موحدة يفتح الباب أمام سباق محموم على الرسوم والطلاب بدلًا من الجودة.

 

كما يزداد الخطر مع استقطاب نحو 138 ألف طالب وافد من 120 دولة، إضافة إلى قرابة 60 ألفًا في جامعة الأزهر، حيث يستحوذ القطاع الطبي على النصيب الأكبر من هذا الحضور التعليمي.

 

ولذلك لا يجوز تحويل الطلاب الوافدين إلى ذريعة لتليين المعايير أو مضاعفة القبول دون حساب، فسمعة التعليم المصري ليست موردًا سريعًا للإنفاق، بل رصيد مهني يتآكل عندما تتراجع شروط التأهيل والانضباط.

 

وبحسب ما تطرحه إيرين سعيد، فإن مكانة الأطباء والصيادلة المصريين بنيت على تقاليد تعليمية وتدريبية قوية، وأي تراجع في المخرجات سيصيب الثقة العامة ويضع الصحة في دائرة الخطر لا التطوير.

 

 

الهندسة ومصانع الخريجين الجدد

 

وفي الهندسة، انتقل الجدل من المدرجات إلى نقابة المهندسين بعد وصول الحد الأدنى ببعض الكليات إلى 67%، وهو رقم يثير تساؤلات جوهرية عن استعداد المقبولين لدراسة تقوم على الرياضيات والعلوم والتطبيقات الدقيقة.

 

كما وصف محمد عبد الغني، نقيب المهندسين والمنتقد لسياسة التوسع بلا تخطيط، هذا المستوى بأنه لا يتناسب مع طبيعة الدراسة الهندسية ولا مع حجم المسؤولية التي تقع على المهندس في المشاريع والمنشآت.

 

وبينما تدعم النقابة خفض أعداد المقبولين لمواجهة التخمة المتزايدة، فإنها ترفض أن يكون العلاج بخفض الدرجات والمعايير، لأن تقليص الأعداد لا قيمة له إذا جرى عبر بوابات قبول لا تضمن الجاهزية الأكاديمية.

 

ثم إن المهندس لا يعمل في وظيفة عابرة يمكن تصحيح أخطائها لاحقًا، بل يتعامل مع مبانٍ وطرق وطاقة ومرافق عامة، وأي ضعف في التأهيل قد يتحول إلى خسائر مادية أو أخطار تمس الأرواح.

 

وفي هذا الإطار، تبدو الفجوة بين الحدود الدنيا بالجامعات الحكومية والخاصة والأهلية رسالة قاسية للطلاب، مفادها أن المجموع يمكن تعويضه بالقدرة المالية، حتى في التخصصات التي يفترض أن تحكمها الكفاءة وحدها.

 

كما أن التوسع في الكليات دون ربط واضح باحتياجات سوق العمل يضاعف الأزمة، فيتخرج آلاف الشباب إلى سوق مزدحم، ثم يجدون أنفسهم أمام نقابات مشددة وشروط قيد وعمل لا تعالج أصل المشكلة.

 

ولذلك يطالب محمد عبد الغني بمعايير قبول أدق مرتبطة بمتطلبات التخصص، لأن إنقاذ المهنة لا يكون بتكثير الشهادات، بل بتخريج مهندسين قادرين على المنافسة وتحمل مسؤولياتهم العلمية والقانونية.

 

وفي النهاية، لا يحتاج التعليم الجامعي إلى مزيد من اللافتات البراقة والمقاعد المدفوعة، بل إلى قاعدة عادلة لا تساوم على كفاءة الطبيب والمهندس، وتحاسب من جعل مستقبل المهن الحيوية رهينة للربح.