قفزت أسعار السكر بنحو 18% خلال شهر واحد، بعدما ارتفع سعر الطن من مستوى يتراوح بين 21 و22 ألف جنيه في أغسطس إلى 25 و26 ألفًا خلال الأسبوع الحالي، عقب السماح بالتصدير.

 

وأقرت الحكومة في 20 أغسطس السماح بتصدير أنواع السكر حتى نهاية العام، بدعوى تمرير الفائض، بينما قفزت الأسعار محليًا وبدأت المصانع والمستهلكون دفع ثمن سياسة بلا ضمانات كافية.


 

 

التصدير يشعل سوق السكر المحلي

 

وبحسب حسن الفندي، رئيس شعبة السكر والحلويات، فإن فتح باب التصدير رفع الطن نحو أربعة آلاف جنيه، في موقف ينتقد سياسة الحكومة ويدفعها إلى مراجعة القرار سريعًا.

 

كما يوضح الفندي أن الزيادة لا تعني تضخم الأرباح، بل تعيد السعر إلى مستوى يقترب من تكلفة الإنتاج، بعدما تحمل المنتجون فترة طويلة خسائر صنعتها الأسعار المنخفضة.

 

وفي المقابل، تبدو حجة الفائض غير كافية لتهدئة السوق، لأن السماح بخروج السلعة من البلاد يرفع قدرة المصدرين على المنافسة، ويقلص الكميات المتاحة أمام المشترين المحليين.

 

ومن ثم، لا يتعامل التجار مع القرار باعتباره إجراءً محدودًا، بل يترجمونه إلى توقعات سعرية جديدة، خصوصًا مع استمرار الحديث عن مكاسب خارجية أعلى من العائد المحلي السابق.

 

كذلك، فإن الفارق بين 21 و22 ألف جنيه في يوليو وأغسطس، وبين 25 و26 ألفًا حاليًا، لا يمثل حركة عابرة، بل زيادة تضغط مباشرة على دورة الغذاء.

 

وبينما تراهن الحكومة على تصدير الفائض، لا تظهر آلية شفافة تحدد حجم الكميات الزائدة، أو تضمن الفصل بين ما يمكن تصديره وما يحتاجه السوق المحلي يوميًا.

 

إضافة إلى ذلك، فإن ربط الأسعار العالمية بالسوق المحلية من دون حماية كافية يجعل المستهلك يدفع سريعًا عند الصعود، بينما لا يحصل على التخفيض نفسه عند هبوط الأسعار.

 

وعليه، يصبح قرار التصدير جزءًا من المشكلة حين يسبق ضبط السوق، لأن أي نقص محدود أو تأخير في الإمدادات يمكن أن يتحول إلى موجة مضاربة واسعة.

 

 

تكلفة الإنتاج تدفع المصانع للخسائر

 

وبحسب مصطفى عبد الجواد، رئيس مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة، تراوح السعر العالمي بين 27 و28 ألف جنيه للطن هذا الأسبوع، مقابل 22 ألفًا خلال الشهرين الماضيين.

 

كما يرى عبد الجواد أن ارتفاع السعر العالمي يمنح الشركات فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه في الوقت نفسه يبرر رفع الأسعار محليًا، حتى قبل التأكد من كفاية المخزون.

 

وفي قراءة أكثر حدة، تضع تصريحات عبد الجواد الحكومة أمام تناقض صعب: فالسعر العالمي يبرر التصدير، لكن حماية السوق المحلية تعارض عمليًا أي توسع غير مشروط قبل اتساع الضرر.

 

لذلك، يصبح الحديث عن السعر المجزي للشركات ناقصًا ما لم يصاحبه التزام واضح بحماية المستهلك، وضمان طرح منتظم، ومنع تحويل التصدير إلى باب دائم لزيادة الأسعار.

 

وبحسب تقديرات شعبة السكر، وصلت تكلفة الإنتاج إلى نحو 26 ألف جنيه للطن، ما يعني أن البيع بين 21 و22 ألفًا كان يضغط على المنتجين، لكنه لم يبرر ترك السوق بلا رقابة.

 

ومع ذلك، لا يجوز تحميل المستهلك وحده كلفة إعادة الشركات إلى نقطة التعادل، لأن الخسائر السابقة تحتاج إلى حلول إنتاجية وتمويلية، لا إلى تمرير الزيادة مباشرة.

 

كذلك، فإن استعادة الشركات لهامش مقبول يجب أن ترتبط بمراجعة حقيقية للتكاليف، ومواجهة حلقات الوساطة، وإعلان أسعار عادلة، بدل الاكتفاء بتحريك سعر الطن صعودًا.

 

ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع السعر العالمي إلى 27 أو 28 ألف جنيه قد يفتح شهية التصدير، لكنه يضاعف خطر تجاهل الأولوية المحلية، خصوصًا في مواسم الطلب المرتفع.

 

وبينما تحتاج الصناعة إلى إنتاج مستقر وتسويق منظم، تبدو سياسة فتح الباب أمام التصدير أسرع من إجراءات حماية المعروض، وهو خلل يهدد الثقة في السوق.

 

فضلًا عن ذلك، فإن غياب رقم معلن للفائض القابل للتصدير يترك المجال لتقديرات متضاربة، ويمنح كبار المتعاملين قدرة أكبر على التحكم في توقيت البيع والشراء.

 

أما الشركات الصغيرة، فتجد نفسها بين تكلفة خام مرتفعة وسوق نهائي حساس، فلا تستطيع رفع أسعارها بلا خسارة زبائن، ولا تحمل استمرار بيع السكر بمستويات منخفضة.

 

وبالتالي، فإن السياسة الحالية لا تبدو منحازة إلى الإنتاج كما تُقدم، بل تنقل جزءًا من مخاطر السوق إلى المصانع الصغيرة والورش والأسر التي تستهلك يوميًا.

 

 

الحلويات تدفع فاتورة القرار منفردة

 

وبحسب حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية، أعاد فتح التصدير جزءًا من الطلب الخارجي، فصعد السعر، بينما بدأت الصناعات المعتمدة على السكر مواجهة فاتورة جديدة.

 

كما حذر المنوفي من انعكاس الزيادة على الحلويات والمخبوزات والشيكولاتة والمشروبات ومنتجات الألبان والمربى، وهي قطاعات لا تستطيع امتصاص التكلفة طويلًا.

 

وفي الواقع، لا تتوقف العدوى السعرية عند المصانع، إذ تنتقل من طن السكر إلى تكلفة التشغيل، ثم إلى أسعار الجملة والتجزئة، قبل وصولها إلى الأسرة.

 

ومن ثم، يدفع المستهلك ثمن القرار مرتين؛ مرة عبر ارتفاع السكر نفسه، ومرة عبر زيادة أسعار المنتجات التي يدخل السكر مادة أساسية في تصنيعها.

 

كذلك، فإن المخبز أو مصنع الحلوى لا يملك دائمًا بديلًا عمليًا، لأن استبدال السكر أو تقليل استخدامه يغير الجودة، ورفع السعر يهدد المبيعات.

 

وعلى الجانب الآخر، فإن استمرار التصدير من دون جدول معلن للكميات يخلق بيئة مناسبة للمضاربة، ويجعل كل شائعة عن نقص محتمل سببًا لقفزة إضافية.

 

لذلك، يضع المنوفي استقرار السوق في مقدمة الأولويات، محذرًا من النقص والمضاربة، ومعتبرًا أن الارتفاع غير المبرر سيصيب الصناعات الغذائية والمستهلك مباشرة دون حماية أو رقابة فعالة.

 

وبهذا الموقف، تبدو تصريحات عضو شعبة المواد الغذائية معارضة لسياسة تترك التصدير مفتوحًا، من دون ضمانات معلنة تمنع احتكار المعروض أو تحميل المستهلك تكلفة القرار كاملة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن صعوبة التنبؤ بالأسعار لا تعفي الحكومة من مسؤولية التدخل، بل تجعلها مطالبة ببيانات يومية واضحة عن المخزون والإنتاج والتصدير.

 

وفي حال تراجعت الأسعار العالمية لاحقًا، لن يكون مقبولًا أن تبقى الأسعار المحلية مرتفعة بذريعة تكلفة الإنتاج، بعدما ارتفعت سريعًا مع أول موجة صعود.

 

كما أن تنظيم الاستيراد والتصدير وفق احتياجات السوق يتطلب قرارًا متدرجًا، يوقف التصدير عند ظهور مؤشرات ضغط، ويعيد فتحه فقط بعد ضمان احتياطي كافٍ.

 

وبينما تتحدث الجهات المعنية عن دعم الإنتاج، يحتاج المنتج المحلي إلى سوق يمكن التنبؤ به، لا إلى قرارات مفاجئة تجعل التخطيط الزراعي والصناعي رهينًا بالأسعار الخارجية.

 

وعليه، فإن الارتفاع الحالي لا ينبغي تقديمه باعتباره انتصارًا للصناعة، لأنه يظل مكسبًا جزئيًا للشركات مقابل خسارة مؤكدة للمستهلك والقطاعات الغذائية.

 

وفي النهاية، يبقى الاختبار الحقيقي أمام الحكومة هو منع نقص السكر، وضبط هامش التوزيع، وإعلان حجم الفائض، وربط أي تصدير بسلامة المعروض المحلي أولًا.

 

أما ترك السوق لتوازنات غير معلنة، فسوف يبقي الأسعار معلقة بين كلفة الإنتاج ورغبة التصدير، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من الارتفاع يدفعها المواطن وحده.