أثارت واقعة قطع عشرات الأشجار المعمرة بمحيط قناطر إدفينا، على فرع رشيد بين كفر الشيخ والبحيرة، غضب أهالي مطوبس، وسط تساؤلات عن الجهة التي سمحت بقطعها وملابسات ما جرى.
وأعادت الواقعة الجدل حول حماية الأشجار والمساحات المفتوحة، خاصة مع صدور توجيهات حكومية قبل أيام تمنع قطع الأشجار داخل المحافظات والمدن الجديدة دون الرجوع للجهات المختصة والحصول على الموافقات اللازمة.
وتُعد قناطر إدفينا من المنشآت المائية المهمة في دلتا النيل، وتضم 46 فتحة لتنظيم تصريف المياه، فيما تحولت المنطقة المحيطة بها طوال عقود إلى متنفس شعبي لأهالي مطوبس.
كما اعتاد الأهالي قضاء أوقاتهم بين الأشجار المعمرة والمساحات المفتوحة، قبل أن تشهد المنطقة توسعًا في إقامة الكافيهات والأكشاك، ما زاد أهمية الحفاظ على طبيعتها ومظهرها العام.
وفي هذا السياق، قال صبري مختار رخا، المحامي ورئيس جمعية تنمية المجتمع المحلي بمطوبس، إن القناطر تمثل جزءًا مهمًا من ذاكرة المدينة وارتباط سكانها بالمكان.
وأوضح أن الأهالي يعتبرون المنطقة متنفسًا عامًا، مطالبًا بالحفاظ عليها وإعادة المساحات المفتوحة للجمهور، مع وضع ضوابط واضحة تمنع الإضرار بالأشجار أو تغيير طبيعة الموقع.
وأضاف أن ما جرى لم يكن مجرد عملية تقليم عادية، مؤكدًا أن الأهالي شاهدوا قطع أشجار كاملة وترك أجزاء من الجذوع، إلى جانب نقل الأخشاب خارج الموقع.
وأشار إلى أن عمليات القطع استمرت عدة أيام، وهو ما دفع الأهالي إلى التساؤل عن الجهة التي أصدرت قرار السماح بهذه الأعمال، خصوصًا أن الأشجار كانت ظاهرة ومكشوفة.
وفوق ذلك، يطالب سكان المنطقة بوضع آلية معلنة للتعامل مع الأشجار، بحيث تكون أي أعمال تقليم أو إزالة خاضعة للمعاينة والتوثيق، مع تحديد الجهة المسؤولة عن إصدار الموافقات.
وبينما يترقب الأهالي نتائج التحقيقات، تبرز أهمية التعامل مع الأشجار المعمرة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في المشهد العام، وليس مجرد نباتات يمكن إزالتها عند ظهور أي عائق مؤقت.
شهادت الأهالي توثق الواقعة
ومن جانبه، قال منتصر نور الدين، أمين حزب التجمع بمطوبس، إنه وثق الواقعة بالصور ومقاطع الفيديو، وأبلغ رئيس المدينة بما شاهده خلال تنفيذ الأعمال في محيط القناطر.
وأوضح أن المعلومات التي تلقاها أشارت إلى أن البداية كانت بطلب لتقليم شجرة واحدة، بدعوى تسببها في إعاقة حركة السيارات، قبل أن تتسع الأعمال لتشمل أشجارًا أخرى.
وبحسب روايته، أثار اتساع نطاق الأعمال استغراب الأهالي، خصوصًا أن الأمر تجاوز حدود التقليم إلى قطع أشجار كاملة، وهو ما دفعهم للمطالبة بتوضيح المسؤوليات والقرارات الصادرة.
وفي السياق نفسه، طالب ماهر وهبان، القيادي بحزب الوفد، بمحاسبة المسؤولين عن الواقعة، وإعادة تأهيل المنطقة، والحفاظ على طابعها الجمالي باعتبارها مساحة مفتوحة يقصدها الأهالي.
كما دعا إلى تحرك عاجل من الجهات المعنية، لوقف أي أعمال يمكن أن تؤثر على الأشجار المتبقية، مع وضع خطة واضحة للحفاظ على الموقع ومنع تكرار الواقعة مستقبلًا.
ومن ناحية أخرى، أثارت الواقعة تساؤلات أوسع بشأن آليات تنفيذ قرارات حماية الأشجار، ومدى الالتزام بالحصول على الموافقات الرسمية قبل تنفيذ أي أعمال قطع أو إزالة داخل المدن.
كذلك تتعلق المطالب الشعبية بإعادة النظر في وضع المنطقة المحيطة بالقناطر، بما يضمن استمرارها كمتنفس عام، بدلًا من فقدان المساحات الخضراء تدريجيًا لصالح أنشطة أخرى.
ومن ثم، فإن إعادة تنظيم المنطقة يمكن أن تجمع بين متطلبات الحركة المرورية وحماية الأشجار، من خلال دراسة مواقعها وتقليم الفروع عند الحاجة، بدلًا من اللجوء إلى القطع الكامل.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تشمل أعمال التأهيل زراعة أشجار بديلة، وإعادة تنسيق المساحات المفتوحة، وتنظيم أماكن الأكشاك والكافيهات، بما يحافظ على قدرة الموقع على استقبال الزوار.
إجراءات رسمية وتحقيقات عاجلة
وفي المقابل، أعلنت وزارة التنمية المحلية اتخاذ إجراءات على خلفية الواقعة، تضمنت إعفاء رئيس مركز ومدينة مطوبس من منصبه، وإحالة ما جرى إلى جهات التحقيق المختصة.
وأكدت الوزارة أن الأعمال جاءت بالمخالفة للتعليمات والقرارات المنظمة للحفاظ على الأشجار، مع التشديد على رؤساء المدن والمراكز بضرورة متابعة أي تعديات وتحرير المحاضر اللازمة.
كما وجه الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أجهزة التفتيش المختصة بالتحقيق في الواقعة، وإحالتها وكل من يثبت تورطه من العاملين بمديرية الري إلى جهات التحقيق.
وشددت الإجراءات المعلنة على ضرورة تحديد المسؤوليات بدقة، خصوصًا أن الموقع يتبع منشأة مائية مهمة، وأن عمليات القطع أثارت اعتراضات واسعة بين سكان المنطقة.
وفي الوقت نفسه، ينتظر أهالي مطوبس ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية، لمعرفة ملابسات إصدار أي موافقات أو تعليمات مرتبطة بالأعمال، وتحديد المسؤول عن تنفيذها أو السماح باستمرارها.
كما طالب الأهالي ببحث إمكانية إنقاذ الأشجار المتضررة، وزراعة بدائل عنها في الأماكن التي فقدت أشجارها، مع الحفاظ على المساحات المفتوحة ومنع التعديات عليها بشكل عاجل وواضح.
ومن جانب آخر، يرى الأهالي أن إعادة تأهيل الموقع لا تتعلق بزراعة أشجار جديدة فقط، وإنما تتطلب الحفاظ على طابعه العام، وتنظيم الأنشطة المحيطة، وضمان إتاحته للجمهور.
كما ترتبط مطالب الأهالي بالحفاظ على الطابع التاريخي والمجتمعي لقناطر إدفينا، التي ظلت لسنوات مكانًا مفتوحًا للتنزه، وهو ما يجعل الأشجار المحيطة بها جزءًا من ذاكرة المكان.
ومع استمرار الإجراءات الرسمية، ينتظر الأهالي أن تؤدي التحقيقات إلى توضيح تسلسل القرارات التي سبقت القطع، ومعرفة كيفية انتقال الطلب من تقليم شجرة واحدة إلى إزالة أشجار أخرى.
وتبقى نتائج التحقيقات الرسمية هي الفيصل في تحديد المسؤوليات وملابسات الواقعة، بينما تتواصل مطالب سكان مطوبس بالحفاظ على قناطر إدفينا باعتبارها متنفسًا عامًا وجزءًا من ذاكرة المدينة.

