تضع الحكومة 745 فدانًا من الأراضي والمباني المطلة على النيل بالقاهرة والجيزة ضمن محفظة أصول يجري تقييمها، قُدرت مبدئيًا بنحو 470.4 مليار جنيه، أي قرابة 9 مليارات دولار بسعر 52.25 جنيهًا للدولار.
وتضم المحفظة 192 موقعًا، فيما يجري تجهيز 136 قطعة أمام المستثمرين، وتلقى صندوق التنمية الحضرية 3 طلبات من مستثمرين خليجيين.
أراضٍ نيلية تنتظر مصيرها
وبينما تتعامل الحكومة مع المواقع باعتبارها أصولًا قابلة للاستثمار، يظل السؤال الأهم هو طبيعة التصرف فيها، وما إذا كان تجهيزها للمستثمرين سيقود إلى تنازل طويل الأمد عن مواقع لا تتكرر داخل العاصمة.
كما تتوزع المواقع بين 110 قطع بالقاهرة على مساحة 430 فدانًا، و82 موقعًا بالجيزة على 315 فدانًا، في حصر يضع شريطًا طويلًا من واجهة النيل تحت إدارة قرارات استثمارية مركزية.
وفي القاهرة تشمل المناطق الساحل وروض الفرج وبولاق أبو العلا والسيدة زينب ومصر القديمة ودار السلام والمعادي وطرة والمعصرة وغرب القاهرة، بينما تمتد المواقع في الجيزة إلى الوراق وإمبابة والعجوزة والدقي وجنوب الجيزة.
وعلى الرغم من هذا الانتشار، لا تتوافر قائمة تفصيلية معلنة تربط كل قطعة بمساحتها ومالكها الحالي واستخدامها وشروط البناء عليها، ما يجعل تقييم الجمهور لما يُخطط له محجوبًا خلف أرقام إجمالية.
كذلك لا تعني قيمة 470.4 مليار جنيه أن هذه حصيلة ستدخل خزينة الدولة، فهي تقدير أولي للأراضي التي تبلغ نحو 745 فدانًا، بينما تستمر إجراءات التقييم المالي والفني لتحديد القيمة النهائية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور أحمد شطاوي، الأستاذ المشارك بقسم التخطيط والتصميم العمراني في جامعة عين شمس، أن تحويل المساحات العامة إلى أنشطة تجارية قد يقصي فئات لا تستطيع تحمل تكاليف استخدامها.
وتحذر أبحاث شطاوي عن خصخصة الحدائق العامة من أن الإقصاء لا يحتاج دائمًا إلى بوابات مغلقة؛ فالرسوم وطبيعة النشاط والإحساس بأن المكان مخصص لطبقة بعينها قد تحول الفضاء العام إلى مساحة لا يشعر الجميع بالترحيب فيها.
لذلك لا يكفي الإعلان عن قيمة الأراضي أو وعد بتطويرها، ما لم تُعلن ضمانات واضحة لبقاء النيل متاحًا للجمهور، وتُحدد مساحات مجانية وممرات مفتوحة تمنع تحول الواجهة إلى امتداد مغلق للمشروعات التجارية.
طلبات خليجية للاستيلاء على الأراضي المميزة
وفي 23 سبتمبر، أعلن المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، حصر 136 قطعة على كورنيش النيل، وتلقي الصندوق ثلاثة طلبات من مستثمرين خليجيين، دون إعلان أسمائهم أو مواقع الأراضي التي يستهدفونها.
كما أشار إلى دراسة طلبات المستثمرين عبر لجنة تضم جهات حكومية، في خطوة تسبق بدء الترويج للأراضي، المتوقع خلال شهرين من الإعلان؛ أي إن الملف لا يزال في مرحلة التجهيز وجمع الاهتمام.
لكن انتقال الملف من الحصر إلى الترويج يفتح بابًا واسعًا لتغيير استخدام مواقع مطلة على النيل، خصوصًا مع الحديث عن مشروعات سياحية وفندقية وأنشطة استثمارية، وهي استعمالات قد ترفع قيمة الأرض وتدفع كلفة الوصول إليها.
ومن ثم يمكن وصف ما يجري بأنه بيع مكتمل أو صفقة نافذة، فالمعلن حتى الآن طلبات وتجهيز مواقع، لكن لم تُنشر عقود أو أسعار نهائية أو أسماء مستثمرين أو شروط إتاحة الأراضي.
غير أن غياب البيع المنجز لا يبدد المخاوف؛ فالتفاوض على أصول عامة بهذه القيمة، من دون إعلان كامل عن قواعد الاختيار والعائد ومدة الاستغلال وضمانات المرور، يترك المجال مفتوحًا لقرارات تمس حقًا عامًا.
وفي هذا الإطار، تكتسب ملاحظات الدكتور أحمد شطاوي أهمية مباشرة؛ إذ تربط دراسته بين إدارة المكان وطبيعة مستخدميه، وتحذر من أن فرض أنشطة تجارية موجهة لأصحاب الإنفاق الأعلى يضعف التنوع الاجتماعي.
كما أن تسمية المشروع «استثمارًا» لا تحسم أثره على السكان، فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كان التطوير سيضيف مساحات عامة وخدمات متاحة، أم سيحوّل أفضل الإطلالات إلى واجهات استهلاكية بأسعار لا تناسب غالبية المصريين.
وعلى الحكومة أن تكشف قبل أي تصرف عن خرائط كل قطعة، والاشتراطات البنائية، والارتفاعات، وأثر المشروعات على المرور والبيئة، مع ضمان حق الجمهور في الوصول للنهر دون رسوم أو حواجز مستترة.
أصول عامة وأعباء الديون
وتأتي هذه التحركات فيما تبحث الدولة عن موارد وتمويلات وسط أعباء الدين، فمن المعروف أن حصيلة هذه الأراضي ستُخصص مباشرة لسداد الديون، وأن البيع النهائي تقرر أصلًا.
ومع ذلك، يثير طرح أصول عامة ثمينة في ظرف مالي ضاغط مخاوف من استخدام ما لا يتكرر لتوفير سيولة عاجلة، بينما تظل أسباب المديونية قائمة وتعود الحاجة إلى الاقتراض بعد استهلاك الحصيلة.
وفي نقاشه بشأن مبادلة الأصول بالديون، شدد الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، على ضرورة التمييز بين الأصول الخاملة والأصول ذات العائد المستقبلي، لأن التفريط في الثانية قد يكلف الدولة طويلًا.
كما يوضح الجوهري أن نقل الأصل أو التصرف فيه لا يعالج الدين تلقائيًا؛ فالمعيار هو أثر القرار في موارد الدولة المستقبلية وتدفقاتها، لا مجرد تحصيل مبلغ كبير مرة واحدة أو تحسين رقم مالي مؤقت.
ومن هنا تبدو قيمة النيل أكبر من سعر المتر: فالأراضي المطلة عليه تحمل عائدًا اقتصاديًا محتملًا، لكنها أيضًا متنفس نادر ومجال عام في مدينة تعاني نقص المساحات المفتوحة وتزايد كلفة الترفيه والخدمات.
كذلك فإن بيع موقع أو إتاحته باستعمالات حصرية قد يدر إيرادًا سريعًا، لكنه يحرم الأجيال المقبلة من أصل ثابت، ويرفع قيمة الأراضي المحيطة، ويعيد تشكيل قلب القاهرة وفق قدرة المستثمر على جني الأرباح.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول ضغط الديون إلى مبرر لتسليم المواقع الأعلى قيمة دون نقاش عام، أو لتقديم احتياجات الدائنين والميزانية على حق ملايين السكان في ضفاف مفتوحة ومساحات آمنة ومجانية.
وعلى الرغم من حديث الجهات الرسمية عن تعظيم الاستفادة، فإن غياب بيانات القطع والصفقات وآليات ضمان المنفعة العامة يترك جوهر المسألة بلا إجابة: من سيملك حق استخدام هذه الواجهة، ومن سيدفع ثمن تحويلها إلى أصل ربحي؟.
وفي النهاية، فإن صفقة بيع هذه الأراضي، وتجهيز 136 قطعة واستقبال طلبات خليجية يضعان مستقبل كورنيش النيل أمام اختبار حقيقي، بين حماية المتنفس العام والسعي وراء سيولة قد لا تنهي أزمة الدين.

