جاءت الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء بنسبة تصل إلى 12% بعد استهداف سفينة التغييز الأمريكية «إنيرجوس وينتر» وناقلة الغاز «غازلوغ سالم» في ميناء دمياط، وسط دعوات رسمية للاصطفاف خلف الدولة.

 

وتضع الخطوة ملايين الأسر أمام عبء جديد، بينما تبرر وزارة الكهرباء القرار بالحفاظ على استقرار التغذية والاستدامة المالية، في وقت تتآكل فيه الأجور أمام الغلاء وتراجع قيمة الجنيه.

 

 

فاتورة الكهرباء تلتهم الأجور

 

وفي قلب الجدل، يرى مصطفى خضري، الخبير في تحليل المعلومات وقياس الرأي العام، أن السعر الاسمي للكيلووات لا يكفي للحكم على كلفة الكهرباء من دون ربطها بالدخل.

 

وبحسب الأرقام المعروضة، ارتفع سعر الشريحة الأولى من 7.5 قروش عام 2014 إلى 68 قرشًا، بينما صعدت الشريحة الثانية إلى 87.36 قرشًا مقابل 78 قرشًا في التعريفة السابقة.

 

أما الشريحة الثالثة، فقد وصلت إلى 1.064 جنيه للكيلووات مقابل 95 قرشًا سابقًا و16 قرشًا عام 2014، بما يعكس مسارًا ممتدًا من الزيادات المتتابعة خلال اثني عشر عامًا.

 

وفي الشريحة الرابعة، ارتفع السعر إلى 1.736 جنيه مقابل 1.55 جنيه، بعدما كان 24 قرشًا عام 2014، بينما صعدت الخامسة إلى 2.184 جنيه بعدما كانت 34 قرشًا.

 

كذلك وصلت الشريحة السادسة إلى 2.352 جنيه للكيلووات مقابل 2.10 جنيه سابقًا و60 قرشًا عام 2014، فيما بلغت السابعة 2.89 جنيه بعدما كانت 74 قرشًا قبل اثني عشر عامًا.

 

ومع ذلك، تقول وزارة الكهرباء إن الدولة تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويًا كفارق بين تكلفة الإنتاج والتعريفة المحاسبية، وإن الدعم ما زال مستمرًا بنسب مختلفة بين الشرائح.

 

لكن خضري يضع معيارًا مختلفًا للعبء، إذ يعتبر أن السؤال الحقيقي ليس كم يبلغ سعر الكيلووات، بل كم دقيقة عمل يحتاجها صاحب الدخل المحدود لتسديد فاتورته.

 

وبحساب استهلاك 200 كيلووات شهريًا بمتوسط 2.74 جنيه للكيلووات، تصل الفاتورة إلى نحو 548 جنيهًا تقريبًا، أي ما يعادل قرابة 10.75 دولارات وفق الأرقام الواردة.

 

وعند تحويل هذه القيمة إلى وقت عمل، يحتاج العامل محدود الدخل في مصر إلى نحو 1519 دقيقة، أي أكثر من 25 ساعة، لتغطية فاتورة بهذا المستوى.

 

وفي المقابل، تُظهر المقارنة التي عرضها خضري أن المستهلك في شنغهاي يحتاج 574 دقيقة، وفي ماليزيا 275 دقيقة، وفي فرنسا 264 دقيقة، وفي بريطانيا 245 دقيقة.

 

كما تنخفض المدة إلى 214 دقيقة في كوريا الجنوبية، و213 دقيقة في تركيا، و182 دقيقة في الولايات المتحدة، ثم 136 دقيقة في الإمارات و101 دقيقة في السعودية.

 

ومن ثم، يصبح الحديث عن «رخص» الكهرباء في مصر ناقصًا إذا انفصل عن الأجور والقدرة الشرائية، لأن السعر الأقل اسميًا قد يستهلك حصة أكبر من دخل الأسرة.

 

 

شرائح الدعم لا تحمي الجميع

 

وفي مسار آخر، تظهر مشكلة العدادات الكودية كعامل يربك الصورة المعلنة للشرائح، لأن طريقة المحاسبة عليها تختلف عن نظام الشرائح السبع المستخدم مع العدادات التقليدية.

 

وبحسب التقديرات المتداولة، يوجد نحو 10 ملايين عداد كودي على الشبكة القومية، ما يعني أن ملايين الأسر لا تستفيد من بنية الشرائح المعلنة بالطريقة نفسها.

 

ولهذا يطرح مستخدمو هذه العدادات تساؤلات حول الفواتير النهائية، خاصة عندما تتجاوز القيمة التي يتوقعونها بناءً على الاستهلاك وحده، مع دخول رسوم ومصاريف أخرى في الحساب.

 

وفي إحدى الحالات الواردة، بلغ استهلاك منزل 337 كيلووات/ساعة، بينما وصلت الفاتورة إلى نحو 956 جنيهًا، وهو ما دفع صاحبه للتساؤل عن تفاصيل وآلية احتساب القيمة.

 

ومن ناحية أخرى، يقول مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، إن الحكومة تعتمد بصورة متكررة على زيادة أسعار الخدمات والسلع الأساسية لمعالجة أزماتها، داعيًا إلى البحث عن سياسات اقتصادية بديلة.

 

وبهذا المعنى، لا تبدو الزيادة معزولة عن ضغوط المعيشة الأوسع، لأن الأسرة نفسها تواجه ارتفاعات متزامنة في الغذاء والسكن والنقل والأدوية، بينما تتحرك فاتورة الكهرباء في الاتجاه ذاته.

 

وفوق ذلك، لا تحسم عبارة «الدعم مستمر» مقدار العبء الحقيقي على أصحاب الدخول المنخفضة، لأن بقاء دعم محاسبي في التعريفة لا يعني تلقائيًا أن الفاتورة أصبحت محتملة.

 

وفي المقارنة الاجتماعية، يشير خضري إلى أن دول الخليج توفر صورًا متعددة من الدعم في الإسكان والصحة والتعليم وبعض خدمات الطاقة، بما يقلل المصروفات المباشرة على الأسر.

 

كذلك توجد في بريطانيا وفرنسا برامج مساعدة مرتبطة بالطاقة والسكن للأسر محدودة الدخل، بينما تقدم الولايات المتحدة برامج موجهة للطاقة والغذاء والسكن لفئات منخفضة الدخل.

 

أما في مصر، فيرى خضري أن منظومة الدعم أقل اتساعًا، وتتركز أكثر في الخبز والتحويلات النقدية للفئات الأشد احتياجًا، إضافة إلى دعم الكهرباء الذي تشير إليه الحكومة.

 

ولذلك يرى خضري أن المقارنات الدولية تصبح ناقصة إذا اكتفت بسعر الكيلووات بالدولار، وتجاهلت ما يحصل عليه المواطن في كل دولة من دعم وخدمات وأجور وقدرة شرائية مختلفة.

 

 

الزيادة تفتح ملف إدارة الطاقة

 

وفي توقيت القرار، يرى مصطفى خضري أن ربط الزيادة بارتفاع تكاليف الإنتاج والنفط والغاز لا يجيب وحده عن سؤال توقيتها، خصوصًا مع بداية العام الدراسي.

 

وبالتوازي، اعتبر ضياء الدين داود، النائب البرلماني، أن الظروف الأمنية والاقتصادية جرى توظيفها لتمرير أعباء إضافية على المواطنين، مشيرًا إلى تعهدات سابقة بعدم زيادة الأسعار.

 

ومن جانبه، طرح ممدوح حمزة، المهندس والناشط، أسئلة مباشرة حول ما إذا كانت أسعار الوقود أو تكاليف تشغيل المحطات أو سعر الصرف قد تغيرت بما يبرر التعريفة الجديدة.

 

وأضاف حمزة أن توجيه جزء أكبر من إنتاج النفط والغاز المحلي إلى محطات الكهرباء يجب أن يكون مطروحًا، بدلًا من زيادة العبء على المستهلك مع استمرار تصدير الطاقة.

 

وفي السياق نفسه، أثارت المحامية هبة كف الغزال ملف الإنفاق الحكومي، وطالبت بمقارنة تكلفة تشغيل المؤسسات العامة مع الزيادات التي يتحملها المواطنون في أسعار الخدمات الأساسية.

 

وبين هذه المواقف، تظل حجة الوزارة قائمة على استقرار التغذية والاستدامة المالية للقطاع، لكن هذه الحجة تصطدم بسؤال القدرة على الدفع لدى الأسر التي تراجعت قوتها الشرائية.

 

وعلى مستوى السياسة السعرية، تعيد الزيادة النقاش إلى نقطة أوسع من التعريفة نفسها، تشمل تكلفة الوقود وسعر الصرف والدعم وطريقة الفوترة ونوع العداد ومستويات الدخول الحقيقية.

 

وفي النهاية، لن يُقاس نجاح أي تسعير للكهرباء فقط بقدرة القطاع على تغطية تكاليفه، بل أيضًا بوضوح الفواتير واستقرار الخدمة وقدرة الأسر على دفعها دون اقتطاع احتياجات أساسية.

 

ولهذا يبقى الجدل قائمًا بين من ينظر إلى الكهرباء كمعادلة مالية يجب موازنتها، ومن يراها بندًا لا يمكن الاستغناء عنه داخل ميزانية أسرة مثقلة بالزيادات.