تدخل نقابة الزراعيين مرحلة انتخابية تأخرت حتى فرضتها الأحكام القضائية، بعدما قرر مجلسها العام فتح باب الترشح في نوفمبر 2026، وسط صراع على إدارة مؤسسة تثقلها المعاشات والخدمات المؤجلة.

 

وتعيد الخطوة إلى أعضاء الجمعية العمومية فرصة تقرير مصير نقابتهم، لكنها تفتح أسئلة أصعب عن أسباب طول الانتظار، وحدود تدخل الجهات الرسمية، وما إذا كان تغيير الوجوه سيغير واقع الأعضاء.

 

 

انتخابات فرضها القضاء لا المجلس

 

ففي جلسته السادسة والخمسين، أعلن مجلس النقابة فتح باب الترشح للانتخابات العامة على مستوى الجمهورية، تنفيذًا للأحكام القضائية التي أنهت مساحة المناورة حول موعد العودة إلى صناديق الاقتراع.

 

ومع أن القرار يطوي مرحلة من الترقب، فإن وصول المعركة الانتخابية إلى المحاكم يعكس حجم الفجوة بين رغبة القاعدة النقابية في التجديد وإيقاع المؤسسة التي ظلت تؤجل الحسم.

 

وفي الوقت نفسه، بدأ المجلس التنسيق مع جهات الدولة للحصول على الموافقات الأمنية والقضائية اللازمة؛ وهي خطوة تضع استقلال العملية الانتخابية أمام اختبار واضح، يتطلب إعلان المواعيد والإجراءات للجميع.

 

وبين مطالب الأعضاء بتجديد الإدارة وتبرير المجلس انشغاله بضبط الملفات المالية والإدارية، ضاعت سنوات كان يمكن أن تُستخدم لمحاسبة القائمين على العمل النقابي عبر انتخابات دورية.

 

وهنا يبرز المهندس السيد عبد اللطيف ضمن الوجوه التي قادت جبهة التغيير وتحركاتها القضائية لتعجيل الاقتراع، حاملًا مع التحالف مطلب إنهاء الجمود وفتح الطريق أمام إدارة جديدة.

 

ولا تقف دلالة هذا التحرك عند المطالبة بموعد للتصويت؛ فالقضاء أصبح طريقًا لانتزاع استحقاق نقابي، بينما يفترض أن تضمن قواعد المؤسسة انتقال السلطة من دون خصومة طويلة.

 

وتزداد أهمية هذا المطلب حين يصبح إجراء الانتخابات مرتبطًا بموافقات خارج إرادة الناخبين؛ فالأعضاء يحتاجون إلى ضمانات معلنة بأن الإجراءات لن تتحول إلى وسيلة جديدة لتأجيل حقهم.

 

ومن ثم، لن تقاس نزاهة الانتخابات بإعلان فتح الباب وحده، بل بإتاحة سجلات الناخبين وشروط الترشح وفرص الدعاية والرقابة بصورة متساوية لكل القوائم في المحافظات.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو الموافقات المطلوبة إجراءً حساسًا: كل تأخير أو غموض فيها سيعيد المخاوف القديمة، ويضع وعد نوفمبر تحت رحمة خطوات لا يتحكم فيها أعضاء الجمعية العمومية.

 

 

دفعة معاشات تسبق صناديق الاقتراع

 

وبينما يستعد المجلس للرحيل أو المنافسة، أعلن سيد خليفة صرف 90 مليون جنيه من متأخرات معاشات الأعضاء في منتصف سبتمبر، في قرار يصل مباشرة إلى أصحاب مستحقات انتظروا سدادها.

 

لكن توقيت ضخ المبلغ قبل فتح باب الترشح يفرض مساءلة مشروعة عن استمرار المتأخرات أصلًا، وعن قدرة الصندوق على الوفاء بالمعاشات بانتظام بعد انتهاء الدفعة الاستثنائية.

 

كما أعلن خليفة السماح لكل عضو مقيد بقاعدة البيانات النقابية بالترشح والتصويت دون سداد اشتراكاته المتأخرة، ما يزيل عائقًا ماليًا كان يمكن أن يحرم أعضاء من المشاركة.

 

غير أن توسيع الحق الانتخابي لا يكتمل بإعلان شفهي؛ فوضوح قواعد القيد والطعن ومراجعة البيانات ضروري حتى لا تتحول تسوية الاشتراكات إلى باب جديد للنزاع بين المتنافسين.

 

وفي هذه المعركة، يبرز المهندس محمدي فتحي البدري بين وجوه تحالف المعارضة الذي يطرح تطوير الخدمات الطبية وتحديث إدارة استثمارات النقابة، بدل الاكتفاء بعلاج مؤقت لأزمة المعاشات.

 

ومن زاوية هذا المطلب الجماعي، لا تكفي دفعة واحدة مهما بلغت قيمتها إذا بقيت موارد الصندوق غير قادرة على تغطية الالتزامات المقبلة، أو ظلت الحسابات بعيدة عن رقابة الأعضاء.

 

وفوق ذلك، فإن تعظيم الأصول العقارية والاستثمارية الذي تحدث عنه خليفة يحتاج إلى أرقام منشورة عن العوائد والالتزامات، لا إلى خطاب ختامي يطلب من الجمعية العمومية التسليم بالإنجاز.

 

وبذلك يصير ملف المعاشات اختبارًا للشفافية قبل أن يكون بندًا انتخابيًا؛ فالأعضاء يريدون جدولًا للسداد ومصادر تمويل دائمة، لا سباقًا لتقديم وعود لا تغير واقع الصندوق.

 

وفي المقابل، يستطيع الناخبون مساءلة كل قائمة عن وسائل حماية الصندوق من تكرار العجز، وعن كيفية تحويل الأصول المعلنة إلى خدمات ملموسة لا إلى أرقام في البيانات.

 

 

تغيير الوجوه يواجه اختبار الخدمات

 

ومع اقتراب فتح باب الترشح، تتشكل قوائم وتحالفات في المحافظات، بينما لم يحسم سيد خليفة موقفه النهائي من المنافسة، رغم إعلانه الاستعداد لتسليم إدارة النقابة.

 

وفي مقابل تيار يريد استمرار الإدارة الحالية باسم الاستقرار، تدفع جبهة التغيير باتجاه تبديل النهج نفسه، لا الاكتفاء بانتقال المقاعد بين أشخاص داخل المنظومة القديمة.

 

كذلك يظهر المهندس إبراهيم عبد العزيز عبيده ضمن الوجوه البارزة للتحالف، الذي يربط مطلب التغيير بتحسين الرعاية الصحية وتطوير الاستثمار وصوغ دور مهني أوسع للنقابة.

 

ومن خلال هذا البرنامج المشترك، يتجاوز الصراع مقعد النقيب إلى سؤال الخدمات اليومية: كيف يحصل الزراعي على رعاية صحية مناسبة، ومن أين تأتي موارد مستدامة تضمن معاشه؟

 

وعلاوة على ذلك، تبرز مطالب بتطوير الأندية الإقليمية وربط الخبرات الزراعية الحديثة بسوق العمل، مع حماية حقوق المهندسين الزراعيين المساعدين الذين ينتظرون حضورًا نقابيًا فعليًا.

 

وفي الملف المهني، ستواجه القوائم سؤالًا آخر عن قدرة النقابة على اعتماد الشهادات والخبرات المتخصصة في الغذاء والتحاليل، بدل ترك الأعضاء يبحثون منفردين عن الاعتراف بمهاراتهم.

 

وفي محافظات مثل البحيرة والدقهلية والغربية والإسكندرية، ستحدد قدرة القوائم على مخاطبة هذه الملفات وزنها الانتخابي، لا مجرد شهرة المرشحين أو اتساع شبكة علاقاتهم.

 

أما الحديث عن توسيع علاقات النقابة عربيًا وأفريقيًا، فيبقى ناقصًا إذا لم يظهر أثره في فرص العمل والتدريب والخدمات التي تصل إلى العضو داخل محافظته لا في البيانات وحدها.

 

ولذلك يحتاج المجلس المقبل إلى حساب واضح لاستدامة المعاشات، وخطة للرعاية الصحية، وآلية تضمن مشاركة القواعد في مراقبة الاستثمار بدل حصر القرارات في دائرة ضيقة.

 

وفي النهاية، لا تمنح الأحكام القضائية وحدها نقابة قوية؛ فهي تعيد الحق في التصويت، بينما يظل استرداد الثقة مرهونًا بانتخابات حرة وحسابات مكشوفة وإدارة تخضع للأعضاء.