اندفعت مياه الأمطار نحو البحر في منطقة المثاني بمطروح عقب موجة مطرية كثيفة، في مشهد مؤلم يضع إدارة الموارد المائية أمام سؤال عن فرص الاستفادة التي تضيع بينما يحتاج السكان إلى المياه.
وتطرح السيول مساءلة تتجاوز الحزن على المياه المنسابة، إذ تصبح الحكومة مطالبة بتفسير استعداداتها لحصاد الأمطار، وتحديد ما يمكن تخزينه بأمان، بدلا من ترك المواطن يتابع مورد الحياة وهو يغادر اليابسة.

 

 

مياه تتدفق وأسئلة بلا إجابات

 

ففي المثاني، تختصر حركة المياه نحو البحر مفارقة موجعة بين وفرة تصنعها السماء واحتياجات مستمرة على الأرض، بينما يبقى الاختبار الحقيقي لقدرة الإدارة الحكومية في تحويل الفرصة الطبيعية إلى منفعة قابلة للاستمرار.

 

ومع ذلك، لا يسمح المشهد وحده بتحديد حجم المياه التي كان يمكن احتجازها، لكنه يبرر مطالبة المسؤولين ببيانات عن مسارات الجريان، والطاقة التخزينية المتاحة، والمواقع التي يمكن تطويرها لخدمة التجمعات المحيطة.

 

ولذلك، لا تكفي عبارات الاستعداد لتبرئة الأداء الحكومي، فالسكان يحتاجون إلى نتائج يمكن قياسها، تبدأ بحماية الأرواح وتنتهي بتوسيع الاستفادة من الأمطار، دون أن تتحول كل موجة غزيرة إلى مناسبة للوعود المؤجلة.

 

وفي تصور افتراضي، يرى الدكتور سامح البحيري، أستاذ هندسة الموارد المائية وشخصية متخيلة، أن الحكومة مطالبة بربط خرائط السيول بخطط التخزين، لأن إدارة المياه تبدأ قبل سقوط المطر ولا تكتمل بتصريفه بعيدا.

 

وبحسب هذا التصور، فإن ترك التخطيط رهينة التحرك بعد العاصفة يجعل الإدارة تلاحق النتائج، بينما يقتضي العمل معرفة خصائص الأودية والتربة أولا، ثم اختيار المنشآت الملائمة بدلا من استنساخ حلول لا تناسب المكان.

 

ومن جهة أخرى، لا تعني الاستفادة من الأمطار إغلاق الطريق أمام كل مياه متجهة للبحر، فالتدخلات تحتاج دراسة للسلامة والبيئة، لكن هذه الضرورة لا تصلح ذريعة لتجميد المشروعات أو الهروب من تقديم البدائل.

 

وعليه، تصبح المساءلة ملحة حين يغيب عن النقاش العام تفسير واضح لما يمكن حصاده وما يجب تصريفه، لأن المواطن يستحق معرفة حدود الإمكانات، بدلا من مطالبته بقبول المشهد باعتباره قدرا لا يناقش.

 

 

حصاد الأمطار يحتاج إرادة تنفيذ

 

أما حصاد المياه، فليس فكرة غريبة عن مطروح، إذ توجد تطبيقات موثقة لجمع الأمطار عبر الآبار والخزانات، بما يؤكد أن النقاش ينبغي أن ينتقل من إثبات إمكانية الاستفادة إلى تقييم نطاقها وكفاءتها واستدامتها.

 

وفي هذا السياق، تكتسب صيانة منشآت التخزين أهمية لا تقل عن إنشاء منشآت جديدة، لأن أي توسع يفقد قيمته إذا أهملت المتابعة، أو تراجعت القدرة التشغيلية، أو لم ترتبط الخدمات باحتياجات المستفيدين.

 

كذلك، لا يجوز التعامل مع المياه المجموعة باعتبارها صالحة لكل استخدام، فمتطلبات الشرب تختلف عن الزراعة، وتحتاج الجودة إلى فحص ومعالجة مناسبة، بما يمنع تحويل مطلب الاستفادة إلى مخاطرة بصحة الأهالي.

 

ومن منظور افتراضي، يعتبر الدكتور نادر السلمي، أستاذ الإدارة البيئية وشخصية متخيلة، أن اختزال النجاح في إخراج المياه من المنطقة يفرغ إدارة الموارد من معناها، ما لم يقترن التصريف بخطة للاستفادة الممكنة.

 

وبناء على هذا الرأي، يجب أن تتكامل حماية التجمعات من أخطار السيول مع حلول الحصاد، بحيث تحدد الدراسات أين يسمح بالتخزين وأين يلزم تمرير المياه، وتربط الإنفاق العام بمنفعة للسكان والزراعة المحلية.

 

فضلا عن ذلك، فإن مشروعات المياه تحتاج موازنات للصيانة والتشغيل، وليست مجرد تكلفة إنشاء تعلن في مناسبة، فالمواطن لا ينتفع بمنشأة متوقفة، ولا تسقي الأرض أرقام تتحرك داخل البيانات دون أثر ميداني.

 

وبالتالي، تستطيع الحكومة إثبات جدية أدائها بنشر خطط محددة ومسؤوليات واضحة، تشمل التنفيذ والمتابعة، بدلا من مطالبة المصريين بالثقة المفتوحة في إجراءات لا يعرفون كيف تقاس نتائجها أو من يحاسب عليها.

 

 

أولويات الإنفاق تحت ضغط المساءلة

 

وفي المقابل، يضع مشهد المثاني أولويات الإنفاق أمام اختبار قاس، فالمشروعات التي تحمي الموارد وتخدم حياة السكان تستحق موقعا متقدما في القرار العام، ولا يجوز أن تصبح احتياجات المناطق الطرفية بندا يسهل تأجيله.

 

وإلى جانب ذلك، تتطلب العدالة إشراك الأهالي في تحديد مواقع الاحتياج ومشكلات الوصول إلى المياه، لأن الخرائط وحدها لا تحكي تفاصيل الحياة، ولأن الإدارة التي تتجاهل أصحاب المصلحة تخاطر بإنتاج حلول بعيدة عنهم.

 

وفي قراءة افتراضية، يرى الدكتور حسام المنشاوي، أستاذ الاقتصاد العام وشخصية متخيلة، أن كفاءة الإنفاق تقاس بالعائد واستمرار الخدمة، وأن تأجيل الاستثمار المدروس في المياه قد ينقل أعباء أكبر إلى الأسر مستقبلا.

 

ومن هذا المنطلق، لا تستقيم المطالبة بترشيد استهلاك المواطنين دون مساءلة المؤسسات عن إدارة الموارد، فالمسؤولية لا تبدأ عند صنبور المنزل، بل تشمل التخطيط الحكومي وتخصيص الأموال ومراقبة التنفيذ وتقييم أثر المشروعات.

 

وفي الوقت نفسه، لا يعفي اختلاف اختصاصات الجهات أي مسؤول من واجبه، إذ يحتاج ملف الأمطار إلى تنسيق بين الإدارات المعنية، حتى لا تضيع الفرص بين إحالات ورقية تجعل كل طرف ينتظر الآخر.

 

ثم إن نشر معلومات المشروعات وتكاليفها وطاقاتها التشغيلية يتيح مساءلة، ويمنع استبدال النتائج بصور الجولات الرسمية، لأن السؤال ليس كم اجتماعا عقد، وإنما ماذا تغير على الأرض لصالح الناس بعد انتهاء الاجتماعات.

 

وأخيرا، يظل المشهد مؤلما حين تتدفق المياه أمام العيون بينما تبقى الاستفادة الممكنة سؤالا معلقا، والحكومة مطالبة بإجابة تقاس بالخدمة والسلامة، لا ببلاغة التبرير أو إعادة تحميل الطبيعة مسؤولية كل فرصة ضائعة.

 

وبذلك، يصبح المطلوب من حكومة السيسي واضحا في المثاني ومحيطها، دراسة الموارد وحماية السكان وتوسيع الحصاد الآمن ومحاسبة المسؤول عن التعثر، لأن مياه الأمطار فرصة للحياة تستحق إدارة قبل أن تبتلعها أمواج البحر.