تثير خريطة لجان الرقابة الشرعية في البنوك وشركات التمويل والتأمين الإسلامية بمصر أسئلة واسعة حول تركز العضوية في عدد محدود من الأسماء، بعدما جمع بعض المشايخ بين عشرات المناصب الدينية والعامة وعضوية أو رئاسة عدة لجان في الوقت نفسه.

 

ويتصدر علي جمعة المشهد برئاسة أو نيابة رئاسة 11 لجنة رقابة شرعية، يليه مجدي عاشور بثماني لجان، بينما يشغل نصر فريد واصل وعباس شومان ومحمد البلتاجي عضوية أو رئاسة ست لجان لكل منهم، وفق الحصر الوارد في المادة.

 

وتكشف الأرقام عن تركز واضح في سوق يفترض أنه يقوم على خبرات متنوعة في الفقه والمعاملات المالية، بينما يظهر نفس عدد محدود من الأسماء في البنوك وشركات التأمين التكافلي وشركات التمويل غير المصرفي والجهات الرقابية.

 

ولا تقف القضية عند تعدد العضويات، بل تمتد إلى غياب الإفصاح عن قيمة المكافآت وبدلات الحضور والانتقال التي يحصل عليها أعضاء هذه اللجان، رغم خضوع عدد من البنوك المدرجة في البورصة لمتطلبات الحوكمة والإفصاح.

 

 

أسماء محدودة تسيطر على اللجان

 

شمل الحصر الذي أجراه الخبير الاقتصادي ممدوح الولي 31 لجنة رقابة شرعية، بينها 12 لجنة في البنوك، وثماني لجان داخل شركات التأمين التكافلي، وتسع لجان في شركات التمويل غير المصرفي، إلى جانب لجنة في البورصة وأخرى مركزية بهيئة الرقابة المالية.

 

وتتكون معظم هذه اللجان من ثلاثة أعضاء، بينما تسمح القواعد بأن يتراوح عدد الأعضاء بين ثلاثة وخمسة، وتصل عضوية اللجنة المركزية إلى سبعة أعضاء، مع مدة عضوية ثلاث سنوات دون حد واضح لمرات التجديد.

 

وفي مقدمة الأسماء يظهر علي جمعة، الذي يجمع إلى جانب عضويته في مؤسسات دينية ومجتمعية متعددة رئاسة لجان الرقابة الشرعية في المصرف المتحد وبنك الكويت الوطني مصر وبنك نكست وعدد من شركات التأمين والتمويل.

 

كما يشغل منصب نائب رئيس لجنة الرقابة في بنك فيصل الإسلامي وشركات تأمين تكافلي أخرى، إضافة إلى عضوية اللجنة الشرعية المركزية بهيئة الرقابة المالية، ما يضعه في قلب شبكة واسعة من المؤسسات المالية المختلفة.

 

أما مجدي عاشور فيجمع بين رئاسة لجنة الرقابة في بنك مصر كنانة وعضوية لجان في المصرف المتحد وبنك الكويت الوطني مصر وعدد من شركات التأمين والتمويل والخدمات المالية.

 

ويظهر عباس شومان كذلك في رئاسة ثلاث لجان رقابة شرعية ببنوك المصري الخليجي وسايب وقناة السويس، إلى جانب شركتي بكره وتساهيل، وعضوية اللجنة المركزية بهيئة الرقابة المالية.

 

كما يرأس نصر فريد واصل لجان الرقابة في بنك فيصل الإسلامي وعدد من شركات التأمين التكافلي، بالإضافة إلى رئاسة اللجنة الشرعية المركزية بهيئة الرقابة المالية ونيابة رئاسة لجنة أخرى.

 

ويمتد المشهد إلى عمرو الورداني وسعد الدين الهلالي ومحمد نجيب عوضين وأسامة العبد وشوقي علام وخالد الجندي وأسامة الأزهري، وجميعهم يجمعون بدرجات مختلفة بين مناصب دينية أو عامة وعضويات بلجان رقابة شرعية.

 

وتفتح هذه الخريطة بابًا واضحًا للسؤال عن سبب تركز هذا العدد الكبير من اللجان في دائرة محدودة من الأسماء، وما إذا كانت السوق تخلو فعلًا من خبرات أخرى تستطيع القيام بهذه المهام.

 

 

مكافآت غائبة عن الإفصاح

 

ولا تتوقف الأسئلة عند توزيع المناصب، بل تصبح أكثر حساسية عند الانتقال إلى الأموال التي يحصل عليها أعضاء هذه اللجان، إذ يشير الولي إلى غياب بيانات واضحة بشأن المكافآت السنوية وبدلات الحضور والانتقال.

 

ورغم أن ستة بنوك لديها لجان رقابة شرعية مقيدة في البورصة، ولا يفترض أن تكون معايير الحوكمة والإفصاح غريبة عنها، فإن المعلومات المتعلقة بما يحصل عليه أعضاء اللجان لا تظهر بصورة تفصيلية.

 

ويقدم ممدوح الولي مقارنة مع مجموعة البركة المصرفية في البحرين، التي أفصحت عن حصول أعضاء لجنة الرقابة الشرعية الخمسة لديها على نحو 268 ألف دولار خلال عام واحد، بما يعادل أكثر من 13 مليون جنيه مصري.

 

وفي المقابل، لا تظهر في مصر بيانات مماثلة تحدد بصورة واضحة ما يتقاضاه كل عضو في لجان الرقابة الشرعية بالبنوك وشركات التأمين والتمويل.

 

وتزداد علامات الاستفهام مع الأرقام المعلنة لمكافآت مجالس إدارات بعض البنوك، إذ بلغت مكافآت أعضاء مجلس إدارة بنك فيصل الإسلامي الاثني عشر نحو 60 مليون جنيه، بمتوسط خمسة ملايين جنيه للعضو.

 

كما بلغت مكافآت تسعة أعضاء بمجلس إدارة بنك البركة نحو 76.5 مليون جنيه، بمتوسط 8.5 مليون جنيه للعضو، إلى جانب بدلات حضور وانتقال، بينما ظلت أرقام لجان الرقابة الشرعية نفسها بعيدة عن الإفصاح التفصيلي.

 

وحتى هيئة الرقابة المالية كانت قد حددت في 2019 بدل الجلسة الواحدة للجنة المركزية بخمسة آلاف جنيه للعضو، إلى جانب مكافأة سنوية، دون أن تتضح في المادة قيمة تلك المكافأة أو قيمة البدل الحالية.

 

وهنا يصبح السؤال عن الشفافية مشروعًا بصورة أكبر: إذا كانت لجان الرقابة الشرعية جزءًا من منظومة الحوكمة، فكيف تبقى تكلفة هذه اللجان ومكافآتها وبدلاتها بعيدة عن معرفة العملاء والمساهمين والرأي العام؟

 

 

رقابة شرعية أم إبداء رأي؟

 

ويفتح توزيع المناصب والأموال بابًا أكثر أهمية يتعلق بجدوى لجان الرقابة نفسها، خصوصًا مع توسع البنوك الإسلامية في الاستثمار بأدوات مالية ثابتة العائد مثل أذون وسندات الخزانة.

 

ففي بنك فيصل الإسلامي، بلغت قيمة أذون الخزانة نحو 55.3 مليار جنيه وأدوات الدين الأخرى 81.9 مليارًا، ليصل الاستثمار في أدوات الدخل الثابت إلى نحو 137 مليار جنيه.

 

ويمثل ذلك، وفق البيانات الواردة بالمادة، نحو 52% من إجمالي أصول البنك البالغة 264 مليار جنيه، مقابل 15.5 مليار جنيه فقط في المشاركات والمرابحات والمضاربات، أي نحو 5.9% من الأصول.

 

وبذلك أصبح حجم استثمار البنك في أدوات الدخل الثابت يقارب عشرة أضعاف ما ضخه في صيغ التمويل والمشاركة التي ترتبط تقليديًا بنموذج التمويل الإسلامي.

 

كما بلغت أذون وسندات الخزانة لدى مصرف أبوظبي الإسلامي مصر نحو 92.4 مليار جنيه، تمثل قرابة 27% من إجمالي الأصول، بحسب الأرقام الواردة في المادة.

 

والأكثر دلالة أن تقرير لجنة الرقابة الشرعية بالمصرف أشار إلى استمرار البحث مع الجهات المسؤولة عن بدائل شرعية متكاملة للأدوات المالية المتعلقة بالخزانة وإدارة السيولة.

 

وتؤكد تقارير لجان الرقابة نفسها أن مسؤوليتها تنحصر في إبداء الرأي الشرعي حول مدى التزام المصرف بأحكام ومبادئ الشريعة، بينما تقع مسؤولية التنفيذ الفعلي للعمليات على الإدارة التنفيذية للبنك.

 

وهنا تظهر المفارقة الأساسية؛ فالمؤسسة تحمل وصفًا إسلاميًا، ولديها لجنة رقابة شرعية تضم أسماء دينية بارزة، لكن المسؤولية التنفيذية عن التطبيق تبقى في النهاية بعيدة عن اللجنة نفسها.

 

كما تطرح قائمة الخبراء المؤهلين لدى هيئة الرقابة المالية تساؤلًا إضافيًا، إذ تضم 48 خبيرًا، بينما تتركز العضويات الفعلية في مجموعة محدودة من الأسماء بصورة متكررة.

 

ويشير ممدوح الولي إلى أن بعض الأسماء الموجودة فعليًا في لجان الرقابة لا تنطبق عليها، وفق ما توصل إليه معد التقرير، جميع الشروط الأكاديمية المعلنة للانضمام إلى قائمة الخبراء، خصوصًا شرط الدكتوراه والأبحاث المتخصصة.

 

وبذلك تصبح القضية أكبر من مجرد أسماء مشايخ تتكرر بين البنوك والشركات، لأنها تمس قواعد الاختيار والشفافية والإفصاح ومدى استقلال هذه اللجان وقدرتها الحقيقية على التأثير في القرارات المالية.

 

وفي النهاية، تظل لجان الرقابة الشرعية مطالبة بإجابات واضحة عن ثلاثة أسئلة: لماذا تتركز عشرات العضويات في عدد محدود من الأشخاص؟ كم يتقاضى كل عضو؟ وما القيمة الفعلية للرقابة إذا كانت مسؤولية التنفيذ تقع بالكامل على الإدارة؟

 

فوجود أسماء دينية بارزة على رأس اللجان لا يكفي وحده لإثبات فعالية الرقابة، بينما تصبح الشفافية في الاختيار والمكافآت والقرارات ضرورة أساسية إذا كانت هذه المؤسسات تريد إقناع عملائها بأن الرقابة الشرعية أكثر من مجرد منصب إضافي.