بدأت وحدات المرور على مستوى الجمهورية تطبيق حزمة جديدة من التيسيرات تخفض تكلفة استخراج وتجديد التراخيص، بعد سنوات من شكاوى أصحاب السيارات والسائقين من تعدد الرسوم والمبالغ الإضافية المفروضة أثناء إنهاء المعاملات.
وتشمل الإجراءات تطبيق منظومة «الشباك الواحد»، والتحصيل الإلكتروني لقيمة الخدمة المعلنة فقط، مع حظر تحصيل مبالغ إضافية أثناء إجراءات الترخيص باستثناء المخالفات الصادرة عن نيابة المرور، وإلغاء اشتراط تقديم معدات السلامة عند التجديد.
لكن توقيت هذه التيسيرات يفتح بابًا واسعًا للتساؤل، بعدما جاءت في أعقاب سنوات من ارتفاع تكاليف المرور، وبالتزامن مع جدل حول مشروع قانون تضمن تغليظًا واسعًا للعقوبات والرسوم، قبل أن تسحبه الحكومة من مجلس النواب لإعادة صياغته.
ويربط منتقدو السياسات المرورية بين التراجع الحالي وبين اتساع الاعتراضات على تكلفة التراخيص والغرامات، معتبرين أن الحكومة وجدت نفسها مضطرة إلى تقديم تخفيضات بعد وصول الأعباء المفروضة على السائقين إلى مستويات يصعب تجاهلها.
تيسيرات بعد سنوات من الرسوم
بدأ التشغيل التجريبي للمنظومة الجديدة في الأول من أكتوبر، وتسمح للمواطن بإنهاء إجراءات ترخيص السيارة أو رخصة القيادة من خلال شباك واحد بدلًا من التنقل بين عدة منافذ داخل وحدة المرور.
كما قررت وزارة الداخلية أن يسدد المواطن القيمة الإجمالية المعلنة للخدمة إلكترونيًا، وأكدت عدم تحصيل أي مبالغ إضافية تحت مسميات أخرى خلال المعاملة، باستثناء المخالفات المرورية المستحقة رسميًا.
ويكتسب هذا القرار أهميته من أنه يأتي بعد فترة طويلة كان المواطن خلالها يواجه سلسلة من المدفوعات المرتبطة بالترخيص والفحص والمستلزمات وإجراءات أخرى، بعضها تحول إلى مصدر شكوى متكررة لأصحاب المركبات.
كما أُلغي شرط تقديم طفاية الحريق وحقيبة الإسعافات الأولية والمثلث العاكس عند إصدار أو تجديد الترخيص، بما يقلل بصورة مباشرة التكلفة التي كان يتحملها صاحب السيارة لإتمام الإجراءات.
ولا يعني إلغاء تقديم هذه المعدات ضمن إجراءات الترخيص أن أهمية أدوات السلامة انتهت، وإنما أزيل إلزام المواطن بشرائها أو تقديمها كجزء من عملية إصدار وتجديد الرخصة.
وتقول وزارة الداخلية إن القرارات جاءت بهدف تخفيف الأعباء وتحسين الخدمة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا احتاج المواطن إلى سنوات من الشكاوى حتى تختفي رسوم وإجراءات أصبح إلغاؤها الآن جزءًا من التيسير الرسمي؟
أمان ورسوم أثقلت السائقين
وتكشف تفاصيل المنظومة السابقة حجم الأعباء التي كان يتحملها أصحاب السيارات، إذ تضمنت معاملات المرور مبالغ مرتبطة بمستلزمات وتجهيزات وشهادات وخدمات يحصل عليها المواطن أثناء إنهاء إجراءات الترخيص.
وبحسب المادة محل التقرير، شملت هذه الأعباء رسومًا مرتبطة بشركة «أمان» التابعة لوزارة الداخلية، إلى جانب تكاليف شهادات وتدريب وفحوص ومستلزمات سلامة، وهي بنود طالما أثارت اعتراضات بشأن إلزام المواطنين بسدادها.
كما أشارت المادة إلى فرض رسوم للاستعلام الأمني وإعادة تحصيل بعض المبالغ عند نقل الملف من إدارة مرور إلى أخرى، فضلًا عن تكاليف طفايات الحريق واعتمادها وحقائب الإسعافات.
وجاء القرار الجديد ليحظر تحصيل أي مبالغ خارج قيمة الخدمة المعلنة، وهي خطوة تفتح بدورها سؤالًا عن الأساس الذي كانت تُحصّل بموجبه تلك المبالغ سابقًا، ولماذا أصبح الاستغناء عنها ممكنًا الآن.
وتزداد أهمية السؤال مع إعلان وزارة الداخلية أن الإجراءات الجديدة ستؤدي إلى انخفاض ملموس في تكلفة إصدار وتجديد التراخيص، بما يعني أن المواطن كان يتحمل بالفعل تكلفة أعلى قبل تطبيق النظام الجديد.
مشروع غرامات انتهى إلى السحب
ويتزامن التحول في وحدات المرور مع مسار آخر أكثر دلالة، تمثل في سحب الحكومة مشروع تعديل قانون المرور من مجلس النواب خلال فبراير الماضي، تمهيدًا لإعداد مشروع متكامل جديد.
وكان المشروع، وفق المادة محل التقرير، يتضمن زيادات كبيرة في قيمة عدد من الغرامات، وصلت في بعض المخالفات الجسيمة إلى نطاق يتراوح بين 10 آلاف و30 ألف جنيه، مع مضاعفة العقوبة عند التكرار.
كما تضمنت المقترحات غرامات تتراوح بين 5 آلاف و15 ألف جنيه على مخالفات مرتبطة بتلويث الطريق أو العوادم غير المطابقة، إلى جانب تغليظ العقوبات المتعلقة بتجاوز السرعة والمسارات المحددة.
وبررت الحكومة وقت طرح المشروع ضرورة تغليظ العقوبات بتراجع القيمة الحقيقية للغرامات القديمة بسبب التضخم، والحاجة إلى تحقيق ردع أكبر للمخالفات التي تتسبب في الحوادث والفوضى المرورية.
لكن الاعتراضات دارت حول الفجوة بين قيم الغرامات الجديدة ومستويات دخول المواطنين، مع تحذيرات من أن تتحول فلسفة القانون من تحقيق الانضباط المروري إلى فرض أعباء مالية يصعب تحملها.
ولهذا جاء سحب المشروع، ثم إعلان تيسيرات تقلل تكلفة الترخيص بعد أشهر، ليمنح منتقدي الحكومة مساحة لطرح سؤال مشروع عن مدى تأثير حجم الاعتراض المجتمعي على إعادة النظر في ملف الرسوم والغرامات.
السلامة ليست بابًا للتحصيل
وفي المقابل، حذرت النقابة العامة للعاملين بالنقل والمواصلات والمركبات السياحية من الخلط بين رفض إلزام السائقين بمشتريات جديدة وبين الاستغناء عن أدوات السلامة نفسها.
وأكدت النقابة، وفق المادة، أهمية وجود طفاية الحريق وحقيبة الإسعافات والمثلث العاكس داخل المركبات، لكنها طالبت بعدم إجبار السائق على شراء معدات جديدة طالما كانت الأدوات الموجودة لديه سليمة وصالحة للاستخدام.
ويكشف هذا الطرح جوهر الأزمة؛ فالاعتراض لم يكن بالضرورة على اشتراط السلامة، وإنما على تحويل الشرط إلى فاتورة متكررة يدفعها المواطن حتى عندما يمتلك بالفعل أدوات صالحة ومطابقة للمطلوب.
كما طالبت النقابة بالاكتفاء بتحليل مخدرات واحد معتمد بدل إعادة إجرائه أكثر من مرة للغرض نفسه، بعدما قدرت تكلفة التكرار بنحو 450 جنيهًا إضافية يتحملها السائق.
ودعت كذلك إلى رقمنة الاستعلام الأمني والربط بين قواعد البيانات، بما يمنع تحصيل رسوم وإعادة إجراءات يمكن تنفيذها إلكترونيًا دون تحميل المواطن تكلفة إضافية.
الشباك الواحد يكشف حجم التعقيد
ويعيد تطبيق «الشباك الواحد» طرح سؤال آخر يتعلق بسبب استمرار تعدد الشبابيك والجهات والإجراءات طوال السنوات الماضية، رغم امتلاك أجهزة الدولة قواعد بيانات يمكن ربطها إلكترونيًا.
فالمنظومة الجديدة تقوم أساسًا على جمع الإجراءات والتحصيل داخل مسار واحد، وهو ما يعني أن جزءًا معتبرًا من المعاناة السابقة لم يكن ضرورة قانونية بقدر ما كان نتيجة لطريقة إدارة الخدمة وتعدد مراحلها.
وتطالب نقابات السائقين بتوسيع الربط الإلكتروني ليشمل المرور والتأمينات والضرائب والنيابة العامة، حتى لا يضطر المواطن إلى التنقل بين أكثر من جهة للحصول على مستندات يمكن تبادلها رقميًا.
كما أن نجاح هذه الخطوة سيجعل من الصعب تبرير استمرار أي رسوم ناتجة عن تكرار الإجراء نفسه أو طلب مستند تستطيع جهة حكومية الحصول عليه مباشرة من جهة حكومية أخرى.
لماذا التراجع الآن؟
ولا يوجد دليل معلن يثبت أن الحكومة خفضت هذه الأعباء تحديدًا خوفًا من غضب شعبي، لكن تزامن الإجراءات مع الاعتراضات على تكلفة المرور وسحب مشروع القانون يضع هذا التفسير ضمن النقاش السياسي والشعبي حول القرار.
فالحكومة التي كانت تبرر زيادة الغرامات بالحاجة إلى الردع، أصبحت اليوم تتحدث عن تخفيف الأعباء المالية، بينما تتحول بنود كانت مطلوبة لإتمام الترخيص إلى إجراءات يمكن الاستغناء عنها.
وهذا التحول يفرض سؤالًا لا يتعلق فقط بالمبالغ التي وفرها القرار، وإنما بالسنوات التي دفع خلالها أصحاب السيارات رسومًا وتكاليف أصبح الخطاب الرسمي نفسه يعتبر تخفيفها ضرورة للمواطن.
وبين مشروع قانون يسعى إلى رفع الغرامات إلى عشرات الآلاف، وقرارات جديدة تخفض تكلفة الترخيص وتمنع تحصيل مبالغ إضافية، تبدو السياسة المرورية أمام اتجاهين متناقضين يحتاجان إلى تفسير واضح.
وفي النهاية، فإن التيسيرات الجديدة تمثل مكسبًا مباشرًا لأصحاب المركبات إذا طبقت كما أُعلنت، لكن قيمتها الحقيقية ستتحدد بمدى قدرتها على إنهاء الرسوم المتكررة والتكاليف غير الضرورية، وليس بمجرد تغيير شكل الشبابيك.
أما السؤال الذي سيظل قائمًا فهو: هل أصبحت الحكومة مقتنعة فعلًا بأن المواطن تحمل أكثر مما يستطيع، أم أن موجة التخفيف الحالية مجرد إعادة ترتيب مؤقتة قبل عودة الرسوم والغرامات في مشروع قانون جديد؟

