كشفت طلبات إحاطة برلمانية عن تصاعد مخاطر الدين الحكومي في مصر بعدما وصلت نسبته إلى نحو 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025/2026، بالتزامن مع ارتفاع متوسط العائد على أذون وسندات الخزانة إلى 24.5% وقصر أجل الإصدارات الجديدة إلى نحو 1.1 سنة.

 

وحذرت الأرقام التي طرحها عضو مجلس النواب محمد فؤاد من أن تراجع نسبة الدين على الورق لا يعني تخفيف الضغط الفعلي على الموازنة، بعدما أصبحت الدولة مطالبة بتجديد كتل ضخمة من الالتزامات خلال آجال قصيرة وبأسعار فائدة مرتفعة، بينما تتزايد في الوقت نفسه مخاطر الدولار وتحركات المستثمرين الأجانب.

 

 

الدين يتجدد والفاتورة تتضخم

 

تكشف بيانات طلبَي الإحاطة أن المشكلة لم تعد محصورة في حجم الدين وحده، بل في الطريقة التي يجري بها تمويله وإعادة تدويره، إذ تعتمد الحكومة بدرجة كبيرة على أدوات قصيرة الأجل، ما يضع المالية العامة باستمرار أمام موعد جديد للاستدانة من أجل سداد استحقاقات سابقة.

 

ويعني متوسط أجل يبلغ نحو 1.1 سنة أن جزءًا كبيرًا من الاقتراض الجديد يعود سريعًا إلى أبواب وزارة المالية مطالبًا بالسداد أو إعادة التمويل، وهي دائرة تجعل الموازنة شديدة الحساسية لأي ارتفاع في الفائدة أو تغير في شهية البنوك والمستثمرين لشراء أدوات الدين الحكومية.

 

كما ارتفع متوسط العائد المرجح على أذون وسندات الخزانة، قبل الضرائب، إلى 24.5% خلال الربع الثاني من 2026 مقابل 23.8% في الربع الأول، بما يكشف أن تكلفة الحصول على الأموال لا تزال مرتفعة للغاية رغم الحديث الرسمي المتكرر عن خفض أعباء الدين وتحسين مؤشرات المالية العامة.

 

ولا تتوقف المشكلة عند إصدار دين جديد، لأن تجديد الديون القديمة نفسه يحمل تكلفة متغيرة، وكل مرة تعود فيها وزارة المالية إلى السوق تكون مطالبة بقبول مستويات الفائدة السائدة وقتها، وهو ما يحول أي اضطراب في السوق إلى عبء مباشر قد يلتهم مساحات أكبر من الإنفاق العام.

 

ويكتسب هذا الوضع خطورته من تقديرات احتياجات التمويل الإجمالية بنحو 42% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات الواردة في طلب الإحاطة استنادًا إلى تقرير صندوق النقد الدولي، وهي نسبة تكشف حجم الأموال التي يتعين تدبيرها لتغطية العجز والديون المستحقة خلال فترة قصيرة.

 

ورغم أن تقييم صندوق النقد أشار إلى إمكانية استدامة الدين على المدى المتوسط، فإنه لم يمنح هذا التقييم درجة مرتفعة من اليقين، مع الإشارة إلى استمرار مخاطر الضغوط السيادية، وهي صياغة تكشف أن المشهد أكثر هشاشة مما توحي به البيانات الحكومية المنتقاة للاستهلاك الإعلامي.

 

 

الدولار يفتح جبهة جديدة

 

وكشف طلب الإحاطة الثاني أن قروض الحكومة بالعملة الأجنبية من البنوك المصرية ارتفعت إلى 56.2 مليار دولار بنهاية مايو 2026، مقابل 47.97 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025، بزيادة بلغت 8.23 مليار دولار خلال خمسة أشهر فقط، أي ما يقارب 17%.

 

ويضع هذا الارتفاع الموازنة أمام خطر مختلف وأكثر قسوة، لأن الديون المقومة بالدولار لا تتأثر فقط بسعر الفائدة، وإنما يتحرك عبؤها بالجنيه مع كل تغير في سعر الصرف، فتراجع العملة المحلية يعني تلقائيًا ارتفاع قيمة الأقساط والفوائد عند حسابها بالعملة المحلية.

 

ولا يغير من هذه الحقيقة كون الدائن بنكًا مصريًا أو مؤسسة أجنبية، لأن الالتزام في النهاية مقوم بعملة أجنبية، وهو ما يجعل الحديث عن كون جزء من الدين داخليًا غير كافٍ لإخفاء مخاطر العملة التي قد تظهر سريعًا في حالة حدوث موجة جديدة من تراجع الجنيه.

 

كما بلغ الدين الخارجي لمصر، وفق الأرقام الواردة في الطلب البرلماني، نحو 164 مليار دولار، ما يعيد طرح السؤال حول الحجم الحقيقي للالتزامات التي تحتاج إلى تدفقات دولارية مستمرة، وقدرة الاقتصاد على توليد هذه الموارد من التصدير والسياحة والاستثمار وليس من قروض جديدة.

 

وتكشف هذه الأرقام أزمة أعمق في إدارة الدين، فكلما اتسعت فجوة النقد الأجنبي تحولت الحكومة إلى المزيد من التمويل بالدولار، وكلما زادت الالتزامات الدولارية أصبحت الدولة أكثر حاجة إلى جذب العملة الأجنبية، لتدور السياسة المالية داخل حلقة تعتمد على الاقتراض لتغطية آثار الاقتراض السابق.

 

 

الأموال الساخنة تمسك بالمفتاح

 

وتظهر جبهة ثالثة في ارتفاع حصة غير المقيمين من إجمالي أذون الخزانة إلى نحو 42 أو 43% في يونيو 2026 مقابل نطاق بين 32 و34% قبل عام، بما يعني زيادة اعتماد سوق الدين المحلي على مستثمرين أجانب يتحركون أساسًا وفق العائد وسعر الصرف والمخاطر الدولية.

 

ويصبح هذا الاعتماد أكثر خطورة عند النظر إلى تقلب حيازات الأجانب، التي تراجعت بحسب الأرقام الواردة من 39.1 مليار دولار في 18 فبراير إلى 22.2 مليار دولار في 8 أبريل 2026، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 37.2 مليار دولار بنهاية يونيو.

 

ولا تمثل هذه التحركات مجرد أرقام في جداول مالية، بل تكشف أن عشرات المليارات يمكن أن تتحرك دخولًا وخروجًا خلال أسابيع قليلة، بما يضغط على سوق الصرف والاحتياطيات وتكلفة الاقتراض، ويجعل استقرار التمويل الحكومي مرتبطًا بقرارات مستثمرين يبحثون عن أعلى عائد بأقل مخاطرة.

 

كما أن جذب هذه الأموال عبر أسعار فائدة مرتفعة يحمل فاتورة أخرى، لأن الدولة تدفع عائدًا ضخمًا لضمان استمرار التدفقات، بينما تتحمل الموازنة تكلفة خدمة الدين، في وقت تحتاج فيه القطاعات الخدمية والاستثمارية إلى موارد كان يمكن توجيهها للتعليم والصحة والبنية الأساسية والإنتاج.

 

ويعيد ذلك فتح ملف ما يسمى بالأموال الساخنة، التي توفر سيولة دولارية سريعة لكنها لا تمثل استثمارًا إنتاجيًا طويل الأجل، ويمكن أن تغادر الأسواق عند تغير الظروف، وهو ما يجعل استخدامها كركيزة رئيسية لتمويل الاحتياجات الحكومية سياسة مرتفعة المخاطر مهما بدت مريحة في الأجل القصير.

 

وطالب محمد فؤاد بإجراء تحليل محدث لاستدامة الدين يتضمن اختبارات ضغط لسعر الصرف وارتفاع تكلفة التمويل وخروج استثمارات غير المقيمين، إلى جانب الكشف عن إجراءات واضحة لإطالة آجال الديون وخفض مخاطر العملة وإعادة التمويل بدل الاكتفاء بإعلان انخفاضات نسبية في مؤشر الدين.

 

وتضع هذه المطالب الحكومة أمام اختبار الأرقام الكاملة لا البيانات المنتقاة، لأن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج لا يكفي وحده لإعلان التحسن إذا ظلت تكلفة الفائدة مرتفعة، وظلت آجال الاستحقاق قصيرة، وواصل الدين الدولاري الصعود، وبقيت الأموال الأجنبية السريعة عنصرًا أساسيًا في تمويل الموازنة.

 

وتكشف الصورة النهائية أن أزمة الدين ليست رقمًا منفصلًا يمكن تحسينه بإجراء محاسبي أو نسبة مئوية، بل منظومة متشابكة من اقتراض مرتفع وفائدة باهظة وآجال قصيرة والتزامات دولارية وتدفقات أجنبية شديدة التقلب، بينما يدفع المواطن في النهاية جانبًا من الفاتورة عبر الضرائب والأسعار وضغط الإنفاق العام.

 

ويصبح السؤال الذي لا تستطيع الحكومة تجاوزه هو إلى متى يمكن إدارة الموازنة بإعادة تدوير الديون بدل تخفيف الاعتماد عليها فعليًا، لأن استمرار الاقتراض بهذه التكلفة لا يصنع استقرارًا ماليًا، بل يؤجل المواجهة ويضاعف ثمنها، ويترك الاقتصاد مكشوفًا أمام أي صدمة في الفائدة أو الدولار أو حركة المستثمرين.