كشفت التحركات البرلمانية الأخيرة بشأن استثمارات الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عن أزمة خطيرة تتعلق بغياب الشفافية والرقابة على أموال ملايين المصريين، بعدما أعلنت الهيئة خفض استثماراتها في أذون وسندات الخزانة من 75% إلى 60%، دون تقديم الدراسات التفصيلية التي تفسر القرار أو تكشف مخاطره وعوائده المتوقعة أمام البرلمان.
وأعادت النائبة صافيناز طلعت فتح ملف إدارة أموال التأمينات، بعدما تقدمت بطلب إحاطة إلى الحكومة بشأن التحول المفاجئ في السياسة الاستثمارية للهيئة، رغم رفض مقترحات سابقة لتنويع المحفظة الاستثمارية. وهو ما يضع الحكومة أمام أسئلة محرجة بشأن الجهة التي تتحكم في هذه الأموال، ومدى خضوع قراراتها للرقابة والمساءلة.
قرارات متناقضة وأموال بلا شفافية
أثارت النائبة تساؤلات بشأن أسباب انتقال الهيئة من الدفاع عن استثمار 75% من أموال التأمينات في أدوات الدين الحكومية إلى الإعلان عن خفض النسبة إلى 60%، دون الكشف عن المستجدات التي دفعت إلى هذا التحول، أو تقديم تفسير فني يوضح لماذا أصبحت السياسة التي رُفضت مناقشتها سابقًا خيارًا مطروحًا للتنفيذ.
وفي فبراير الماضي، تقدمت صافيناز طلعت بطلب إحاطة بشأن كفاءة إدارة استثمارات التأمينات، وطالبت خلال مناقشته في 9 أبريل بمراجعة تركّز المحفظة في أدوات الدين الحكومي والبحث عن بدائل استثمارية. لكن ممثلي الهيئة دافعوا عن السياسة القائمة، وسط اعتراضات داخل اللجنة على مقترحات تغيير التوزيع الاستثماري.
وبعد ذلك، جاء الإعلان عن تخفيض نسبة الاستثمار في أذون وسندات الخزانة ليعيد طرح السؤال الأكثر إحراجًا للحكومة: إذا كان تنويع الاستثمارات يستحق الرفض في أبريل، فما الذي جعله مقبولًا الآن؟ وهل استند التحول إلى دراسات جديدة، أم أن أصحاب المعاشات والبرلمان آخر من يعرف أسباب القرارات المتعلقة بأموالهم؟.
والأخطر أن الخلاف لا يتعلق بمجرد تعديل نسبة استثمارية، بل بطريقة إدارة موارد تمثل حصيلة اشتراكات وحقوقًا تأمينية لملايين المواطنين. فهذه الأموال ليست رصيدًا مفتوحًا أمام الحكومة لإعادة توزيعه بعيدًا عن المساءلة، وإنما التزامات تستوجب أعلى مستويات الإفصاح والرقابة وضمان القدرة على الوفاء بالمستحقات المستقبلية.
من يحاسب على أموال المعاشات؟
وفي قلب الأزمة، يبرز غياب المستندات التفصيلية التي تفسر الاتفاق المعلن بين الهيئة ووزارتي المالية والتضامن الاجتماعي، إذ طالبت النائبة بالكشف عن تاريخ اقتراح خفض النسبة، والجهة التي وافقت عليه، وتوقيت بدء التنفيذ، وما إذا كان الاتفاق سابقًا على جلسة لجنة الخطة والموازنة في أبريل أم لاحقًا لها.
كما طالبت بتوضيح دور مجلس أمناء استثمار أموال التأمين الاجتماعي في صياغة السياسة الاستثمارية والإشراف على تنفيذها، ومدى الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة لاتخاذ القرار. وهي أسئلة تتجاوز التفاصيل الإدارية إلى جوهر المسؤولية عن إدارة أموال أصحاب المعاشات، ومن يملك سلطة تقرير مصيرها، ومن يتحمل نتائج القرارات إذا أخفقت.
وفي المقابل، فإن خفض الاستثمار في أدوات الدين الحكومية لا يمثل نجاحًا اقتصاديًا بمجرد الإعلان عنه، لأن الحكم على القرار يتطلب معرفة أين ستذهب الأموال، وكيف ستُستثمر، وما مستوى المخاطر، وما العائد المتوقع مقارنة بالاستثمارات السابقة، فضلًا عن مدى توافقه مع الالتزامات التأمينية المستحقة خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا، تبدو مطالبة الهيئة بالكشف عن حجم الأموال المعاد توجيهها وطبيعة المجالات الاستثمارية الجديدة ضرورة لا تحتمل التأجيل. فأصحاب المعاشات لا يحتاجون إلى تصريحات مطمئنة بلا أرقام، ولا إلى وعود فضفاضة عن تعظيم العوائد، وإنما إلى حسابات واضحة تثبت أن مدخراتهم تُدار لحماية حقوقهم، وليس لخدمة اعتبارات أخرى لا يعرفونها.
أين حسابات السنوات الثلاث الماضية؟
وفي تطور يكشف حجم الفجوة بين المطالب الرقابية والإفصاح الحكومي، أعادت النائبة التذكير بالتقرير الذي طلبته لجنة الخطة والموازنة في أبريل الماضي عن استثمارات التأمينات خلال السنوات الثلاث السابقة، متضمنًا حجم الأموال المستثمرة وتوزيعها والعوائد المحققة وقدرتها على مواجهة الالتزامات المستقبلية، مطالبة بمعرفة مصيره وعرضه أمام اللجنة.
ورغم أهمية هذا التقرير لتقييم الأداء الفعلي للهيئة، فإن عدم عرضه على اللجنة، وفق ما ورد في طلب الإحاطة، يثير تساؤلات جدية بشأن قدرة البرلمان على ممارسة رقابته. فكيف يمكن محاسبة القائمين على إدارة الاستثمارات دون الاطلاع على النتائج المالية السابقة، أو مقارنة العوائد بالمخاطر التي تحملتها أموال المشتركين؟.
وفي الوقت نفسه، تزداد خطورة الملف لأن استثمارات التأمينات تتصل مباشرة بمستقبل ملايين الأسر التي تعتمد على المعاشات لتغطية احتياجاتها الأساسية. وأي خلل في إدارة السيولة أو تقدير المخاطر قد ينعكس على قدرة المنظومة على الوفاء بالتزاماتها، وهو ما يجعل الرقابة المستقلة ضرورة لحماية الحقوق وليست مجرد إجراء شكلي.
أما الحكومة التي تتحدث باستمرار عن الإصلاح الاقتصادي وتعظيم كفاءة إدارة الموارد، فإنها مطالبة بتطبيق هذه الشعارات على ملف التأمينات، بداية من نشر القوائم المالية والإفصاح عن خطط الاستثمار، وصولًا إلى توضيح طبيعة العلاقة بين أموال التأمينات وأدوات الدين الحكومي، والضمانات التي تحول دون تغليب احتياجات الخزانة على مصالح أصحاب الأموال.
ولذلك، فإن عقد جلسة برلمانية بحضور المسؤولين المعنيين، كما طالبت صافيناز طلعت، يجب أن يكون بداية لمحاسبة حقيقية، لا مناسبة جديدة لتبادل التصريحات. والمطلوب عرض الدراسات والموافقات والتقارير المالية، والكشف عن أسباب تغيير الموقف، وتحديد المسؤوليات بوضوح، بدلًا من استمرار التعامل مع أموال التأمينات باعتبارها ملفًا مغلقًا.
وفي النهاية، تبقى القضية أكبر من تخفيض نسبة الاستثمار من 75% إلى 60%؛ إنها تتعلق بحق ملايين المصريين في معرفة كيف تُدار أموالهم ومن يراقب القرارات التي تحدد مستقبل معاشاتهم. وحتى تقدم الحكومة حسابات واضحة ومستندات قابلة للفحص، سيظل السؤال قائمًا: لماذا يُطلب من أصحاب المعاشات الثقة في قرارات لا تُكشف لهم أسسها؟.

