يُعدّ استئصال الشرك ومحاربته بجميع أشكاله وصوره أحد أهم شروط التمكين وركائزه الأساسية في الأرض. ومن هذا المنطلق، يتعين على الجماعة المسلمة التي تحمل لواء الدعوة وتسعى صادقة لتحكيم شرع الله تعالى أن تعي حقيقة الشرك وعظيم خطره، وتدرك أسبابه وأدلة بطلانه وأنواعه، لتعمل جاهدة على تنقية صفوفها منه بالوسائل والأساليب الشرعية المعتبرة؛ فالقاعدة الثابتة تقرر أنه لا يمكن للإنسان أن يحذر الشرك ولا أن يُحذّر غيره منه إلا إذا عرف ماهيته، وتفطن لسبله ومداخله.
فوائد معرفة الشرك وأهميته الدعوية
إن الوقوف على دقائق الشرك وفهم ما يتصل به ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة شرعية ومنهجية تترتب عليها ثمار جليلة، من أبرزها:
**الوقاية الذاتية والحذر:** أن يتمكن المسلم بمعرفته للشرك من اتقائه واجتناب الوقوع في شباكه ومزالقه.
**القدرة على البلاغ والتحذير:** أن يصبح مؤهلاً لتحذير إخوانه وأمته وتبصيرهم بمواطن الزلل، صيانةً لصف المسلمين.
**استبانة حسن الإسلام وعظمة التوحيد:** فبمعرفة الشرك وانكشاف بطلانه يتجلى للمؤمن أن ضده — وهو التوحيد الخالص — أجلّ الأعمال وأشرف المقاصد، وبضدها تتبين الأشياء وتتمايز.
ولهذه الغايات الشريفة، بذل الدعاة الصادقون والعلماء المخلصون والقادة الربانيون جهودهم في بيان الشرك، وتفصيل أقسامه، والتحذير من أسبابه ومخاطره؛ مؤكدين أن تحقيق الإيمان الصحيح لا يستقيم، ولا يُقبل من صاحبه عمل، إلا بنبذ الشرك براءً واجتناباً.
حقيقة الشرك وأقسامه في ميزان الاعتقاد
يقرر الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله شرط كمال التوحيد وبراءته من الشرك بقوله: «ولا يتم توحيد العبادة حتى يخلص العبد لله في جميع إرادته وأقواله وأفعاله، وحتى يدع الشرك الأكبر المنافي للتوحيد كل المنافاة، وهو أن يصرف نوعًا من العبادة لغير الله تعالى، وتحقيق هذا التوحيد وتمامه أن يدع الشرك الأصغر وهو: كل وسيلة يتوسل بها إلى الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك».
أما حقيقة الشرك بالله وجوهره، فتتمثل في: «أن يُعبد المخلوق كما يُعبد الله، أو يُعظم كما يُعظم الله، أو يُصرف له نوع من خصائص الربوبية والألوهية».
وقد قسّم العلماء الشرك إلى نوعين رئيسيين، كما فصّله الشيخ السعدي رحمه الله بقوله: «الشرك نوعان: شرك في ربوبيته تعالى كشرك الثانوية الذين يثبتون خالقًا مع الله، وشرك في ألوهيته، كشرك المشركين الذين يعبدون الله ويعبدون غيره ويشركون بينه وبين المخلوقين، ويسوونهم مع الله في خصائص ألوهيته».
نصوص الوحيين في الترهيب من الشرك وبيان عواقبه
تتابعت نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة في التحذير القطعي من الشرك، مبيّنة أنه أعظم ذنب عُصي الله به، وأنه الضلال الذي ليس بعده ضلال، وأن صاحبه مخلد في نار جهنم لا نصير له ولا شفيع.
قال تعالى في بيان انقطاع أسباب المغفرة عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48].
وأكد سبحانه بعد المشرك عن الحق بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].
وصوّر الحق جل وعلا تيه المشرك وهلاكه تصويراً مهيباً: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31].
وحذر سبحانه حتى أنبياءه من شؤم الشرك ومحباطته للأعمال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65].
وفي السنة النبوية، جاءت الأحاديث الصحيحة لتؤكد هذا المصير وتبرز قبح المشرك: روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي المقابل، روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم).
وشدّد النبي صلى الله عليه وسلم النكير حين عدّه على رأس الموبقات؛ فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثلاثًا: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» — وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت! (رواه البخاري ومسلم).
أثر الشرك في ضياع المجتمعات والفرق بينه وبين سائر الذنوب
إن تفشي الشرك في الأمة هو المعول الأول الذي يهدم كيانها، والسبب الأعظم في ضياعها وانحرافها عن الصراط المستقيم؛ إذ كيف يستقيم أمر مجتمع يسوي بين الخالق العليم وبين خلقه الضعفاء؟ فالله سبحانه هو المتفرد وحده بالعبودية، المالك للنفع والضر، الذي ما من نعمة تُساق إلا منه، ولا يدفع النقم والكروب سواه، وله الكمال المطلق والغنى التام من جميع الوجوه والاعتبارات.
ويتميز الشرك عن سائر الذنوب والمعاصي بأنه الذنب الوحيد الذي لا تمسّه المغفرة إن مات صاحبه عليه دون توبة؛ فمن مات على الشرك حُرّمت عليه الجنة وأُبد في النار.
أما ما دون الشرك من المعاصي والكبائر، فإن صاحبها إن مات ولم يتب منها يكون واقعاً تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه بعدله، وإن شاء غفر له برحمته وفضله. وفضلاً عن ذلك، جعل الله لمغفرة سائر الذنوب أبواباً ومكفرات عديدة: الحسنات الماحية والفرائض والطاعات.
المصائب والمحن المكفرة في الحياة الدنيا، وفي البرزخ، وفي أهوال يوم القيامة.
دعاء المؤمنين واستغفارهم لبعضهم البعض.
شفاعة الشافعين بإذن الله.
رحمة أرحم الراحمين التي ينالها أهل الإيمان والتوحيد.
أما المشرك، فقد سدّ على نفسه بنفسه كل هذه الأبواب، وأغلق دونه منافذ الرحمة الإلهية؛ فلا تنفعه طاعة ولا قربة وهو فاقد لأصل التوحيد، ولا تفرّج عنه المصائب كرباً، محروماً من النجاة لخروجه عن ميثاق العبودية الخالصة لرب العالمين.
..........................................
المراجع والمصادر:
([1]) الفتاوى السعدية للعلامة عبد الرحمن السعدي، ص13.
(2) الشيخ عبد الرحمن السعدي وجهوده في توضيح العقيدة، عبد الرزاق العباد، ص 178.
(3) الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، عبدالرحمن السعدي، ص244.
(4) مسلم، كتاب الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا (1/94) رقم 92.
(5) المصدر السابق نفسه، رقم 92.
(6) مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر (1/91) رقم 143.
(7) فقه النصر والتمكين، علي محمد الصلابي، ط1، مكتبة التابعين، القاهرة، 2001، ص 230-238.

