تستعد حكومة الإنقلاب لعقد فعاليات «منتدى مصر 2026» بهدف استعراض انجازات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الوهمية ومناقشة التحديات القادمة، بينما تفرض الأجهزة الرسمية قيوداً مشددة على الفضاء العام، وتواصل حرمان أصحاب الرأي المستقل من ممارسة حقوقهم الدستورية والقانونية في البلاد.

 

وفي هذا السياق، أغلقت الهيئة العامة للاستعلامات باب تلقي طلبات الحضور الجماهيري للمؤتمر، مع الإبقاء على استقبال المقترحات رقمياً، متجاهلة التناقض القائم بين الحديث عن الشفافية ومصادرة الأصوات المعارضة واحتجاز العاملين في الحقل الإعلامي.

 

 

استعراض رسمي وسط حصار الحريات

 

ومن جانبه، أكد المتحدث باسم مجلس الوزراء المستشار محمد عادل أن الفعالية تستهدف مصارحة المواطنين بما تحقق وما تعثر، مدعياً التزام الجهاز التنفيذي بتوجيهات عبد الفتاح السيسي لإرساء الشفافية والاستماع المباشر لكافة قطاعات الشعب.

 

غير أن البيانات الرسمية حددت مشاركة أكثر من 8500 شخص موزعين على مدار 5 أيام عمل، تنتهي بعقد 1 جلسة ختامية جامعة، لتمرير مخرجات تزعم الحكومة أنها ستكون ملزمة لكافة أجهزتها ومؤسساتها.

 

علاوة على ذلك، أعلنت السلطة تنظيم أكثر من 15 جلسة حوارية ممتدة بين 19 و 24 أكتوبر، مع التباهي بتسجيل أكثر من 12 مليون مشاهدة و 50000 مسجل عبر المنصة الرقمية التابعة لها.

 

بيد أن نقيب الصحفيين المصريين والباحث في شؤون الإعلام خالد البلشي، يؤكد أن بناء التوافق الحقيقي يستحيل تحقيقه في ظل مصادرة الرأي المستقل وتحويل ساحات النقاش إلى منصات دعائية تعزل أصحاب المصلحة الفعليين.

 

وفي هذا الإطار، يوضح البلشي أن فرض الصمت وتغييب التعددية يهدران مصداقية أي جلسات تفاعلية، مشدداً على أن الإجراءات التنفيذية الأحادية تفتقر للشرعية المجتمعية متى غابت الإرادة الصادقة في إنهاء القيود الأمنية المطبقة.

 

تأسيساً على ذلك، تتبخر الوعود الرسمية بمخرجات ملزمة في مواجهة واقع إقصائي يرفض الاعتراف بالتحديات الهيكلية العميقة، ويتحاشى الخوض في المطالب الحقيقية للمواطنين عبر هندسة الحضور واختيار ممثلين موالين للخطط الحكومية دون مساءلة.

 

ومن هذا المنطلق، تبرز المفارقة بين استعراض إنجازات مزعومة ومحاولة تجميل الإخفاقات التنموية، في وقت تحظر فيه السلطات النقاش الحر حول تدني مستوى الخدمات وانهيار القوة الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة بصورة غير مسبوقة.

 

 

ملاحقة الصحافة وتجميد المسار القضائي

 

بالتوازي مع ذلك، اهتزت مزاعم الانفتاح على وقع توقيف 6 صحافيين من فريق عمل منصة «متصدقش» المستقلة يومي 28 و 29 سبتمبر الماضي، وتوجيه اتهامات سياسية جاهزة إليهم بالانتماء لجماعات محظورة لترهيب الإعلام.

 

وعلى صعيد متصل، تصدت نقابة الصحافيين لتلك الحملة بتمسكها الكامل بحماية ممارسي المهنة، رافضة تحويل قرارات الضبط والاحتجاز المؤقتة إلى عقوبات مسبقة أو ذرائع لتعطيل المؤسسات النقابية عن ممارسة واجباتها المهنية والقانونية المستحقة.

 

في غضون ذلك، فجرت محكمة جنايات القاهرة أزمة جديدة بتأجيل محاكمة رسام الكاريكاتير والمترجم وعازف الغيتار أشرف عمر إلى جلسة 14 ديسمبر 2026، بسبب تغيب 1 شاهد إثبات يتبع جهاز الأمن الوطني عن الحضور.

 

رغم ذلك، يواجه عمر محاكمة جائرة داخل القضية رقم 11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس، بعد إحالته بصحبة 11 متهماً آخرين بينهم 1 امرأة في نوفمبر الماضي، إثر استنزاف 16 شهراً رهن الحبس الاحتياطي المطول.

 

إلى جانب ذلك، تعود وقائع احتجاز أشرف عمر إلى تاريخ 22 يوليو 2024 عقب اقتحام منزله، لتلفق له النيابة تهمتي تمويل جماعة إرهابية والمشاركة في تحقيق أهدافها، عقاباً على ممارسته للتعبير الفني والصحافي المستقل.

 

ومن ثم، يرى المحامي بالنقض والخبير الحقوقي والدستوري خالد علي أن إطالة أمد الحبس الاحتياطي وتعطيل المحاكمات لغياب شهود الضبط يمثلان التفافاً فجاً على الدستور، وإهداراً صارخاً لضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها قانوناً.

 

بناء على ذلك، يشدد علي على أن التوسع في الاتهامات الفضفاضة ضد أصحاب الرأي يستهدف كسر شوكة الصحافة، محذراً من تحول جهات التحقيق إلى أداة ترهيب تتجاوز المعايير الدولية وتصادر حق المجتمع في المعرفة.

 

وفي ضوء ذلك، تسقط المزاعم الحكومية حول حرية الرأي والتعبير، إذ يبرهن التضييق القضائي بحق صناع المحتوى على أن الاعتقال يظل البديل الواقعي لأي حوار مزعوم، كلما تجرأ صحافي على تفنيد الروايات الرسمية المعلنة.

 

ومع استمرار هذا المشهد، تترسخ حالة الترهيب داخل غرف الأخبار، وتتعطل قدرة المؤسسات الإعلامية على ممارسة الرقابة الاستقصائية، مما يدفع المجتمع بأسره إلى العزلة عن إدراك الحقائق المحيطة بمصيره الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

 

 

احتكار القرار وتغييب الرقابة الشعبية

 

على النقيض من ذلك، وثق حزب التحالف الشعبي الاشتراكي مسار تراجع الحريات عبر تقريره الصادر بعنوان «سلطة تتمدد ومجال عام ينكمش»، مبرزاً مرور 12 عاماً من احتكار القرار وتغييب المساءلة والمشاركة منذ عام 2014.

 

استناداً إلى هذه المعطيات، برهن التقرير الحزبي على أن السيادة الوطنية لا ترتبط بقدرة الأجهزة على الانفراد بتمرير مشروعاتها، بل تتوقف على تمكين المواطنين من مساءلة المسؤولين ومراقبة آليات توظيف الموارد العامة للمجتمع.

 

في السياق ذاته، اعتبر الحزب أن قوة الدول تقاس بإتاحة الوصول الحر للمعلومات وحماية حق الاعتراض السلمي، مؤكداً أن الصناديق الانتخابية وشكليات الهياكل البرلمانية القائمة تفقد معناها الحقيقي متى أُفرغت من التنافسية والرقابة.

 

من ناحية أخرى، يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد، أن المؤتمرات الحكومية تعكس نزعة استعراضية تستبدل الديمقراطية التشاركية بالحشود الموجهة، لتفادي المساءلة الدستورية عن القرارات الاقتصادية المجحفة.

 

بالإضافة إلى ذلك، يرى السيد أن غياب البرلمان الفاعل والمجالس المحلية المنتخبة يحول إدارة الدولة إلى سلطة مركزية معزولة، لا تقبل الاعتراض، مما يفاقم الأزمات المعيشية نتيجة الانفراد بتحديد أولويات الإنفاق دون مراجعة.

 

تبعاً لذلك، يؤكد أستاذ العلوم السياسية أن تجاوز الأزمات الراهنة يتطلب تفكيك القبضة الأمنية وإلغاء القوانين المقيدة للعمل العام، معتبراً أن الحوار المجدي ينطلق فقط من إطلاق سراح سجناء الرأي وإصلاح البيئة التشريعية.

 

نتيجة لذلك، تظل مخرجات الفعاليات الرسمية محاصرة بالشكوك الشعبية، حيث ترفض القوى الوطنية قبول محاولات تسويق السياسات الفاشلة، وتطالب باستعادة المؤسسات الدستورية لدورها الرقابي ووقف تغييب المواطنين عن المشاركة في إدارة شؤون بلادهم.

 

وعلى هذا الأساس، تتبدى الفجوة العميقة بين الخطاب الرسمي المنفصل عن الواقع والأزمات المعيشية المتفاقمة، إذ تعجز المؤتمرات الدعائية عن إخفاء مظاهر التردي الهيكلي أو ترميم الثقة المفقودة بين المجتمع وأجهزة الحكم.

 

ختاماً لهذا المسار، يبقى رهان السلطة على المشهد يات الاحتفالية مجرد محاولة لكسب الوقت، بينما يتطلب المأزق الوطني مراجعة جذرية للمنظومة الاقتصادية والسياسية، والتوقف النهائي عن ملاحقة الأصوات المستقلة وأصحاب الرأي الحر.

 

وانطلاقاً من هذه الحقائق، يستمر التصادم الحتمي بين رغبة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في الهيمنة المطلقة وبين تطلعات المجتمع إلى التغيير الديمقراطي، ليظل الانفراج الحقيقي مرهوناً بإنهاء الاستبداد وفتح المجال العام المغلق أمام المواطنين.