أصدرت سلطات التحقيق القضائية أمراً يقضي بحبس مسؤول تنفيذي كبير بإحدى شركات الغاز ومدير عام المشتريات بشركة شقيقة لمدة 4 أيام، على خلفية تورطهما بتلقي عطايا مالية لتمرير صفقات وعقود غير مشروعة.
وجاء هذا التحرك القضائي الصارم بعد ضبط الأجهزة المعنية للمتهمين يوم الثلاثاء، مع مصادرة مبالغ مالية كبرى وهدايا ومصوغات ذهبية ارتبطت بتقديم تسهيلات واسعة للموردين بالمخالفة للضوابط المعمول بها قانوناً داخل القطاع.
تفكك سلاسل التوريد وتصاعد التواطؤ
وفي هذا المضمار، يؤكد أستاذ إدارة المشروعات العامة الدكتور سامي منصور أن اختراق منظومة مشتريات توصيل الغاز للمنازل يبرهن على تفشي ثغرات هيكلية تجعل ترسية المناقصات رهينة للمجاملات والصفقات المشبوهة.
وعلاوة على ذلك، يوضح منصور أن احتكار جهات محددة لأعمال التوريد يلغي المنافسة السعرية الحقيقية، الأمر الذي يكبّد الموازنة العامة للدولة أعباء إضافية تتضاعف مع غياب الشفافية في التدقيق والمراجعة.
ومن هذا المنطلق، تبرز خطورة تساهل الإدارات التنفيذية في تطبيق معايير التأهيل المالي للمقاولين، حيث يتحول النفوذ الوظيفي إلى وسيلة لاقتناص عمولات منتظمة على حساب الجودة والكفاءة الفنية للمشاريع المنفذة بالمناطق السكنية.
وبناءً على ذلك، يرى متابعون للشأن الطاقي أن توقيف هؤلاء القياديين لا يمثل سوى قمة جبل الجليد، في ظل اعتماد الشركات التابعة للوزارة على لجان تعاقد مغلقة تفتقر لأبسط متطلبات الإفصاح والنزاهة.
وتأسيساً على تلك الوقائع، تتعاظم الشكوك حول فاعلية الرقابة الإدارية الداخلية داخل كيانات قطاع الوقود الأحفوري، حيث تتركز الصلاحيات المالية الواسعة لدى مسؤولين محددين دون إخضاعهم لجولات تفتيش مباغتة ومنتظمة.
فضلاً عن ذلك، يفتح اتساع دائرة المضبوطات الذهبية والمالية الباب لتوسيع مسار الاستجوابات القضائية، بهدف معرفة شبكة الوسطاء والشركات الخاصة التي دأبت على تقديم هذه الهبات لشراء الولاءات التوريدية داخل المؤسسات.
وبموازاة ذلك التحرك، يستمر التحفظ القانوني على جميع الأوراق والعقود التي وقعها المتهمون طيلة الأشهر الماضية، في مسعى لحصر إجمالي الخسائر التي تكبدتها الشركات الحكومية نتيجة تلك التسهيلات المخالفة لدفاتر الشروط.
تراجع درجات الشفافية واستنزاف الموارد
ومن زاوية التقييمات الدولية، يسجل مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في تاريخ 10 فبراير لعام 2026 تموضعاً حرجاً للبلاد بالمركز 130 من أصل 182 دولة وإقليماً مصنفاً عالمياً.
وفي السياق ذاته، حصد التقييم درجة متدنية توقفت عند حدود 30 نقطة من أصل 100 نقطة ممكنة، ليعكس ذلك استمرار التدهور في كفاءة السياسات المتبعة لحماية المال العام ومكافحة التربح الوظيفي.
واستناداً إلى هذه الأرقام، يعتبر الخبير الاقتصادي واستشاري إدارة المخاطر الدكتور مدحت نافع أن هبوط الترتيب السنوي يترجم واقع الإخفاق البيروقراطي في فصل الإدارة التنفيذية عن سلطات الترسية والإنفاق الاستثماري.
وعلى الصعيد التحليلي، يضيف نافع أن الاكتفاء بالضبطيات الجنائية اللاحقة دون تغيير اللوائح المنظمة لتعاقدات الطاقة يبقي المناخ الاستثماري طارداً للشركات العالمية النزيهة التي تشترط الشفافية التامة قبل ضخ رؤوس أموالها.
وبحسب القراءات المالية المتخصصة، تؤدي عمولات التوريد المشبوهة إلى تضخيم فواتير مد شبكات الطاقة للمنازل، مما يلقي بتبعات مالية ثقيلة على عاتق المستهلكين ويستنزف اعتمادات الدعم المالي المخصصة للخدمات العامة بالمحافظات.
ومن واقع هذه المعطيات، يتبين أن التراجع المستمر في مؤشر عام 2025 يرتبط مباشرة بعجز المنظومة التشريعية عن ملاحقة أشكال التربح المستحدثة، والتي باتت تتخفى وراء عقود استشارية وتوريدات وهمية بالغة التعقيد.
وحيال هذه المؤشرات السلبية، تتضاعف التحذيرات من استمرار التعامل الدفاعي مع تقارير النزاهة العالمية، بدلاً من اتخاذها دليلاً علمياً لتفكيك مراكز القوى داخل المؤسسات الخدمية الخاضعة للإشراف الحكومي المباشر.
وعطوفاً على ذلك الموقف، يتضح أن الحصول على 30 درجة فقط يضع الجهاز الوظيفي في نطاق البيئات الأكثر عجزاً عن حماية المشتريات العامة، وهو ما تجلى بوضوح في القضية الأخيرة.
غياب المساءلة الفعالة وتعطل الحوكمة
وتأكيداً على حتمية التغيير الجذري، يشدد أستاذ القانون الإداري والسياسات العامة الدكتور أيمن عبد الوهاب على أن معالجة جذور هذه الانحرافات تتطلب إنهاء مركزية اتخاذ القرار، وإلغاء الاستثناءات الممنوحة لصفقات الشركات القابضة.
وفي الإطار التشريعي المقارن، يلفت عبد الوهاب إلى أن تغييب هيئات المجتمع المدني وحجب تدفق البيانات عن أجهزة الإعلام المستقلة يقوض خطوط الدفاع الأولى ضد الفساد المالي المنظم داخل الهيئات الحكومية.
وانطلاقاً من متطلبات الحوكمة الرشيدة، تصبح المحاسبة البرلمانية الصارمة ضرورة ملحة لمساءلة مسؤولي قطاع البترول حول آليات التدقيق الوقائي، بدلاً من الاقتصار على بيانات صحفية مقتضبة تعقب تحركات الأجهزة الضبطية والأمنية.
وبالمثل، تقتضي قواعد الإدارة الحديثة إلزام جميع القيادات الإدارية في شركات الطاقة بتقديم إقرارات ذمة مالية علنية دورية، تتيح تتبع أي تضخم غير مبرر في الثروات الشخصية لهم ولذويهم المباشرين.
ونتيجة لغياب المساءلة المجتمعية المفتوحة، تكررت الثغرات في سلاسل الإمداد والتوريد دون مراجعة جذرية، مما سمح لشبكات المصالح الخاصة بالاستمرار في فرض شروطها على العقود العامة ومشاريع البنية التحتية الأساسية.
ومن جهة مقابلة، يتطلب إصلاح المنظومة الرقابية توفير حماية قانونية متكاملة للمبلغين والشهود داخل الشركات التابعة، لتشجيع الموظفين على فضح أي محاولات للابتزاز المالي أو التلاعب بمواصفات المواد الموردة للمنازل.
وبالنظر إلى الأبعاد الهيكلية للأزمة، فإن استعادة التوازن تتطلب التخلي عن منهجية الإدارة بالأوامر الفوقية، والتحول إلى رقابة رقمية مؤتمتة تسجل كافة خطوات التعاقدات والمناقصات بصورة شفافة ومتاحة للفحص المستمر.
وفي مجرى التطورات الراهنة، يبقى التحدي الحقيقي ماثلاً في تحويل تجربة حبس هؤلاء المسؤولين إلى نقطة انطلاق لتقويض بيئة التربح، عبر إنهاء ثقافة الحصانات الإدارية التي حمت الفاسدين لعقود طويلة داخل المرافق.
وفي ختام هذه الرؤية الشاملة، لا يمكن فصل قضية الرشوة عن الحاجة الماسة لإصلاح شامل ومستدام، يعيد الاعتبار لمعايير الجدارة والكفاءة في تولي المناصب القيادية الحساسة بكافة قطاعات الاقتصاد القومي للدولة.

