تلتهم شحنات الغاز المسال المستوردة السيولة الدولارية الشحيحة داخل مصر، في ظل عجز حكومي متفاقم عن تحفيز الإنتاج المحلي المنهار وتغطية متطلبات محطات التوليد، ما دفع الاستهلاك إلى مستويات قياسية ضاغطة.
وبينما تتضاعف الضغوط المعيشية القاسية، تواصل المنظومة الرسمية الهروب نحو الاستدانة الخارجية لتأمين الوقود الصيفي، متجاهلة الجدوى الفنية لخطط ترشيد الاستهلاك وتطوير الحقول المتقادمة التي تركت بلا صيانة حقيقية.
أزمة عجز الطاقة واستنزاف الاحتياطي
وبناء على ذلك، تسجل البيانات الرسمية قفزة استيرادية غير مسبوقة خلال الربع الثالث من عام 2026، حيث جرى استيراد نحو 4.26 مليون طن لتجاوز الرقم السابق المسجل في الربع الثاني البالغ 3.34 مليون طن.
وفي ضوء هذا المسار، تعكس المشتريات نموا فصليا متسارعا بنسبة 29%، ليجسد عمق التراجع في كفاءة الحقول المحلية وعجز السلطة التنفيذية عن وضع خطط استباقية تحمي رصيد العملات الأجنبية من التآكل المستمر.
وإلى جانب ذلك، شهد شهر يوليو تدفقات تاريخية وصلت إلى 1.67 مليون طن بنسبة زيادة سنوية بلغت 69%، إذا ما قورنت بمستويات شهر يوليو من عام 2025 التي لم تتجاوز 0.99 مليون طن.
وعلاوة على هذه القفزة، بلغت الزيادة السنوية الصافية نحو 0.96 مليون طن، ما يمثل أعلى معدل فصلي في التاريخ المصري، استجابة للموجات الحارة وتفاديا لغضب الشارع من انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة.
ومن هذا المنطلق، يوضح الدكتور أحمد شوقي، مدير وحدة أبحاث الطاقة في واشنطن، أن السياسات المتبعة لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تعكس ارتباكا هيكليا وتواجه صدمات متتالية من تذبذب ضخ خطوط الغاز.
وبالإضافة إلى ذلك، يلفت شوقي إلى أن هذا العجز المحلي يعود إلى تراكم مستحقات شركات النفط الأجنبية التي أوقفت عمليات الاستكشاف والتطوير، مما أجبر الدولة على خيار الاستيراد عالي التكلفة.
وفي هذا الإطار، يؤكد خبير الطاقة أن الرهان على الشحنات السريعة يشكل حلا تجميليا مؤقتا يستنزف الموارد، بينما تتطلب الاستدامة ضخ استثمارات عاجلة في الحقول المصرية لتعويض الانخفاض الطبيعي في الإنتاج.
ومن جراء ذلك، تتحمل الموازنة العامة أعباء مالية مضاعفة لدفع ثمن الشحنات بأسعار فورية مرتفعة، وهو ما يعكس غياب الرؤية التخطيطية بعيدة المدى لدى القائمين على إدارة هذا الملف الحيوي.
رهان الاستيراد ومخاطر الاضطراب الإقليمي
وعلى صعيد مواز، لجأت الجهات المسؤولة إلى توسيع دائرة الموردين لتشمل 5 دول مختلفة خلال الربع الثالث، في محاولة يائسة لتأمين محطات الكهرباء من شبح التوقف وسط ارتفاع الأحمال لمستويات قياسية.
وفي سياق متصل، حصدت الولايات المتحدة الأمريكية نصيب الأسد بتوريد 91% من إجمالي الإمدادات، ما يكرس التبعية لمحور خارجي واحد ويجعل القرار الطاقي المصري مرهونا بتقلبات الأسواق العالمية والشحن البحري.
ومن ناحية أخرى، بلغت واردات الغاز المسال القادمة من الحقول الأمريكية 3.87 مليون طن، مسجلة ارتفاعا سنويا قدره 29% مقارنة بنحو 3.01 مليون طن جرى توريدها خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وترتيبا على تلك الإحصاءات، حلت موريتانيا بالمرتبة الثانية بإجمالي 0.15 مليون طن في استمرار لظهورها منذ الربع الأخير من عام 2025، تليها ترينيداد وتوباجو بكمية مستقرة بلغت 0.14 مليون طن.
وفي غضون ذلك، استقبلت الموانئ شحنة يتيمة من النرويج بلغت 0.07 مليون طن في يوليو، بينما ظهرت المكسيك للم للمرة الأولى عبر شحنة وحيدة سجلت 0.04 مليون طن خلال شهر أغسطس.
ومع استمرار هذا التخبط، يوضح المهندس مدحت يوسف، خبير هندسة البترول ونائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن منظومة الاستيراد تفتقر للبنية التحتية الآمنة، وهو ما أظهره حادث حريق سفينة دمياط.
وجدير بالذكر، يشدد يوسف على أن التوترات العسكرية في مضيق هرمز ومخاطر الحرب على إيران تجعل خطوط الإمداد العالمية هشة، ما يهدد بقطع الشحنات وتوقف محطات الكهرباء بصورة مفاجئة وكارثية.
وبحكم الواقع الميداني، يضيف الخبير البترولي أن غياب سفن التغويز الكافية في الموانئ الساحلية يجعل تدفق الغاز عرضة للشلل التام أمام أي خلل فني أو لوجستي طارئ في عرض البحر.
تكلفة الاقتراض وانسداد الأفق المالي
ومن زاوية اقتصادية، تتصاعد التحذيرات المالية إزاء إصرار رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي على عقد صفقات استيراد مليارية ممولة بالديون الخارجية الساخنة، دون اعتبار للأعباء المرهقة الملقاة على كاهل الاقتصاد المتداعي.
وفي المقابل، وصلت واردات الأشهر الـ9 الأولى من عام 2026 إلى نحو 10.52 مليون طن، محققة قفزة جنونية بنسبة 85% مقارنة بنحو 5.70 مليون طن خلال الفترة المقابلة من عام 2024.
واستنادا إلى تلك المؤشرات، سجلت وتيرة الاستيراد في الربع الثالث صعودا فصليا بنسبة 27.5%، متجاهلة التقديرات المالية التي تتوقع وصول فاتورة الاستيراد الإجمالية إلى نحو 20 مليار دولار بحلول عام 2030.
وبالنظر إلى الشهور الأخيرة، انخفضت الإمدادات في أغسطس إلى 1.41 مليون طن عقب حريق التغويز، ثم تراجعت نسبيا إلى 1.17 مليون طن في سبتمبر، قبل أن تسجل زيادة سنوية متوقعة بنحو 50%.
وفي الإطار ذاته، غابت أسواق إسبانيا وغينيا الاستوائية تماما عن قائمة الموردين خلال الربع الثالث، بعد تواجدهما في عام 2025، مما يعكس اضطراب التفاهمات التجارية وغياب الرؤية التعاقدية طويلة الأجل.
وفي هذا المضمار، يؤكد الدكتور مصطفى الباز، أستاذ الاقتصاد الكلي وإدارة السياسات العامة، أن تخصيص 20 مليار دولار للغاز يمثل تبديدا لمدخرات الدولة التي كان ينبغي توجيهها للقطاعات الإنتاجية والتصنيع المحلي.
وبناء عليه، يوضح الباز أن الاستمرار في شراء الوقود عبر القروض يفاقم التضخم ويهوي بالعملة المحلية، محملا المواطنين أثمان سياسات ارتجالية أهدرت المكتسبات السابقة للاكتفاء الذاتي المزعوم.
وخلاصة القول، يرى الخبير الاقتصادي أن غياب الرقابة على خطط الاقتراض الحكومي يضع الدولة تحت ضغوط مقلقة، ما لم يتم إيقاف نزيف استيراد الطاقة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق القومي فورا.

