تشتعل زنازين مجمع سجون بدر تحت وطأة إجراءات أمنية غاشمة يقودها مسؤولو المباحث الجدد، حيث انتفض المحتجزون في وجه التجريد الشامل لأبسط مقومات حياتهم اليومية، محولين غرفهم المغلقة إلى ساحات غضب مدوية.
وتتصاعد أصوات المعتقلين بالهتافات المزلزلة وطرق الأبواب الحديدية لكسر عزلتهم الجبرية، في مواجهة صلف أمني رسمي يتجاهل الاستغاثات المتكررة، ويصر على مصادرة مقتنياتهم البسيطة دون أدنى مراعاة للحقوق الإنسانية الأساسية.
عصيان الزنازين يسقط جدران الصمت
إذ دشن رئيس المباحث الجديد حملة قمعية عاتية بمشاركة مباشرة من مفتش المباحث، استهدفت نزع البطاطين والملابس والأدوات البسيطة من المحتجزين، في محاولة مدروسة لكسر إرادتهم وتحطيم صمودهم المعنوي المستمر خلف القضبان.
بينما واجه السجناء هذه الهجمة الشرسة بالاحتجاج الجماعي المباشر، حيث دوى الطرق العنيف على البوابات الفولاذية في أرجاء القطاع السجني، معلنين رفضهم القاطع لسياسات التجويع والإذلال التي تنفذها أجهزة مصلحة السجون.
حيث يؤكد الدكتور شريف محيي الدين، أستاذ علم الاجتماع السياسي ودراسات النظم العقابية، أن سياسات التجريد القسري تمثل إستراتيجية ممنهجة لتدمير البنية النفسية للمحتجزين، وخلق بيئة عقابية تفتقر إلى أي معيار قانوني سليم.
فضلا عن ذلك، يوضح محيي الدين أن اعتماد إدارات السجون على الإفقار المادي للزنازين يفاقم من مشاعر الاحتقان الجماعي، ويدفع المحتجزين حتما إلى تفجير موجات التمرد العفوي لمقاومة سلب إنسانيتهم داخل المعتقلات.
إضافة إلى ذلك، تعمدت وزارة الداخلية فرض تعتيم شامل حول مجريات هذه الوقائع، ممتنعة عن إصدار أي بيانات رسمية توضح الحالة الصحية للمعتقلين، أو تبين حجم الخسائر والإصابات الناتجة عن مداهمة الزنازين.
في حين تظل التساؤلات الميدانية ملحة حول مصير الغرف المستهدفة وغياب الشفافية، في ظل رفض جهات التحقيق القضائية المستقلة زيارة المنشأة وتفقد أوضاع السجناء لتوثيق الجرائم التأديبية التي ترتكب بحقهم خلف الأسوار.
وعلى إثر هذه التطورات الميدانية، تجلت هشاشة الروايات الرسمية التي تروج لتحسين مراكز الإصلاح والتأهيل، بينما تكابد عائلات السجناء ويلات القلق الممض على مصير أبنائهم المحرومين من التواصل مع العالم الخارجي تماما.
علاوة على ذلك، أظهرت صلابة المحتجزين فشل الممارسات الأمنية في كسر روابط التضامن الإنساني بينهم، إذ تحولت الزنازين المجردة إلى جبهة مواجهة مفتوحة ترفض الخضوع لإملاءات القمع والترهيب الممارس ضدهم يوميا.
حراك أكتوبر يشعل قطاعات السجون
تزامنا مع تصاعد هذا الغليان، انخرط آلاف المعتقلين مطلع شهر أكتوبر في انتفاضة واسعة عمت منشآت احتجازية متعددة، تمثلت في رفض استلام وجبات السجون الرديئة وتنظيم احتجاجات صوتية هزت أركان المقرات الأمنية.
بموازاة ذلك، خاض معتقلو سجن بدر 3 إضرابا شاملا شاركت فيه الغالبية العظمى من السجناء، ردا على المنع التعسفي للزيارات الأسرية، وإغلاق منافذ شراء الأغذية أو ما يعرف بمقصف الكانتين بالكامل.
كذلك امتدت شرارة العصيان المنظم إلى سجن بدر 1، حيث سجلت مشاركة واسعة النطاق شملت نحو 100 غرفة من إجمالي نحو 250 غرفة، في دلالة واضحة على اتساع رقعة الرفض الشعبي داخل المعتقلات.
ومن جانبه، يرى الدكتور أحمد عبد الحميد، الباحث في القانون الجنائي المقارن والسياسات الجنائية، أن الحرمان من التعيين وحظر زيارات الأهالي يشكلان انتهاكا جسيما لبنود الدستور المصري والمعايير الدنيا لمعاملة السجناء الدولية.
ويشدد عبد الحميد على أن لجوء المعتقلين إلى الإضراب عن الطعام والطرق على الأبواب يمثل الملاذ المشروع الوحيد للتعبير، بعدما صادرت السلطات كافة القنوات القانونية المتاحة لرفع المظالم وتقديم الشكاوى الرسمية.
وفي سياق متصل، تؤكد وتيرة الاحتجاجات المتزامنة داخل سجني بدر 1 وبدر 3 فشلا ذريعا للمنظومة الأمنية في ترويض المعتقلين، على الرغم من انتشار تقنيات المراقبة الإلكترونية المشددة في كافة الممرات والزنازين.
بناء على ذلك، تنهار الدعاية الترويجية للسجون النموذجية التي يسوقها رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي، أمام حقيقة المعاناة الحقيقية التي يدفع ثمنها المحتجزون يوميا جراء سياسات القهر والتنكيل والإهمال الطبي الممنهج المتعمد.
ومن هذا المنطلق، يفرض حراك أكتوبر معادلته القوية في مواجهة قسوة الحراس، مؤكدا أن الجدران العازلة وكاميرات المراقبة الحديثة تعجز تماما عن منع انتقال شرارة النضال السجني من زنزانة إلى أخرى بسرعة قياسية.
تجريد ممنهج يواجه بالمطالب الدولية
تأسيسا على هذا السياق المأساوي، لا تعد انتهاكات السجون ممارسات فردية أو طارئة، بل تمثل امتدادا لسياسات قمعية راسخة برزت بوضوح في شهر يونيه الماضي، حين شهدت أروقة المنشأة احتقانا مماثلا شديد الخطورة.
إذ تحركت وقتها 7 منظمات حقوقية مستقلة للتنديد بعمليات التجريد المستمرة والتفتيش الليلي المهين، وحرمان السجناء من التريض والرعاية الطبية، مطالبة بتدخل فوري لوقف النزيف الحقوقي المتواصل داخل مجمع بدر سيئ السمعة.
ومن جهته، يوضح الدكتور مصطفى كامل، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة المقارنة، أن تعنت الأجهزة الأمنية في حجب المعلومات يهدف إلى تفادي المساءلة الحقوقية الدولية، وحماية الضباط المتورطين من أي ملاحقات قضائية ناجزة.
ويضيف كامل أن استمرار حظر الرقابة البرلمانية المستقلة وزيارات المنظمات الحقوقية الأهلية يعكس توجها سلطويا لإبقاء السجون كثقوب سوداء، تمارس فيها السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة خارج مظلة الرقابة الدستورية أو الإنسانية الوطنية والدولية.
لذلك تتصاعد الضغوط الحقوقية المطالبة بتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمجلس القومي لحقوق الإنسان من تفقد السجون، دون شروط مسبقة أو ترتيبات استعراضية مضللة تحجب حقيقة الأوضاع المزرية عن الرأي العام.
على صعيد مواز، يتمسك ذوو المعتقلين بحقهم القانوني في استئناف الزيارات المعطلة منذ فترات طويلة، رافضين تحويل حقوق أسرهم وأبنائهم إلى أدوات ابتزاز سياسي تسلبهم أدنى مستويات التواصل الإنساني والتطمين الصحي الضروري.
وانطلاقا من هذه الحقائق الثابتة، تتعالى النداءات الحقوقية لفتح تحقيقات قضائية نزيهة مع قيادات مصلحة السجون، وضمان حماية المحتجزين من الإجراءات الانتقامية العنيفة التي تلت احتجاجاتهم السلمية الأخيرة وصرخاتهم الحرة وراء القضبان.
وخلاصة المشهد، تظل أصوات الطرق على الأبواب شاهدا حيا على إرادة الصمود الإنساني في وجه آلات القمع والتجريد، معلنة سقوط منظومة الصمت التي تحاول حجب مآسي المحتجزين عن أسماع العالم بأسره.

