تلتف هيئة الدواء حول الحقيقة ببيانات نفي هشة تزعم استقرار الأسعار، بينما تشتعل أرفف الصيدليات بلهيب زيادات متتالية تسحق ميزانيات الأسر، وتترك المريض فريسة سهلة لابتزاز مافيات التصنيع وتواطؤ أجهزة الدولة مع اشتراطات التعويم القسري للجنيه.
وتدير المؤسسات الصحية الأزمة الحالية بمنطق الجباية والتنصل الكامل من الرعاية الدستورية، إذ تترك المرضى لمصير مجهول في مواجهة طمع الشركات التي تلقت الضوء الأخضر لتحويل العلاج من حق إنساني أصيل إلى سلعة ربحية تخضع للمضاربات السوقية القاتلة.
مقصلة التسعير تبتلع أدوية الغلابة
إذ يوضح الدكتور طارق كامل، استشاري أمراض الباطنة والقلب بالمستشفيات التعليمية، أن تحميل المصابين بأمراض الشرايين والسكر كلفة فشل السياسات النقدية يدفع نصف الحالات للعجز عن شراء الجرعات، ما يعجل بحدوث جلطات قلبية حادة ومميتة داخل المنازل بصمت تام.
وحيث تضغط الكيانات الاحتكارية عبر 400 طلبا لرفع أسعار علاجات الغدة الدرقية وضغط الدم والمضادات الحيوية، فإن رضوخ الجهات الحكومية لابتزاز هذه القوائم يحكم على آلاف البسطاء بالموت البطيء، في ظل انهيار تام لدخول أصحاب الأمراض المزمنة في المحافظات.
ومن هنا تسببت 4 موجات لرفع الأسعار منذ عام 2021 وحتى أواخر عام 2024 في مضاعفة تكلفة الروشتة العلاجية، لا سيما بعد التعديل الأخير في شهر يونيه 2024 الذي مرر زيادات بلغت 20% و50% لمطابقة قفزات الدولار.
وبالتالي فإن سياسات رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي القائمة على تحرير الصرف، قوضت ما تبقى من قدرة شرائية للمواطنين، وجعلت الوصول إلى حبة دواء سارية المفعول حلما بعيد المنال يتطلب الاستدانة وبيع مقتنيات البيوت لمجرد البقاء على قيد الحياة.
علاوة على ذلك، تزعم الدوائر التنفيذية فرز بعض الطلبات بزعم حماية المستهلكين، لكن الواقع الميداني يثبت تمرير الارتفاعات الفلكية سريعا، لتبقى الأدوية الحيوية سلعة نادرة لا يظفر بها سوى القادرين على دفع المبالغ المضاعفة دون رحمة بالفئات المهمشة.
وفضلا عن الكارثة المعيشية، تصر الهيئة على تكذيب اعتزامها رفع 40 صنفا في شهر يناير، بيد أن التجارب السابقة تثبت أن بيانات النفي الرسمية ليست سوى تمهيد لقرارات مباغتة تصدر في غسق الدجى لإلجام الشارع المحتقن.
ابتزاز المصانع يهدد سلامة المرضى
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، أن رضوخ المسؤولين لتهديدات الشركات بوقف خطوط الإنتاج يمثل تخليا فاضحا عن الأمن الدوائي القومي، مطالبا بفرض رقابة صارمة على تكاليف الاستيراد عوضا عن مجاملة المستثمرين.
وبناء على ذلك، تواصل إدارات 184 مصنعا مسجلا ومئات منشآت التصنيع لدى الغير ممارسة الضغوط المكثفة عبر افتعال أزمات التوريد، متعللة بزيادات المحروقات والكهرباء وتكاليف الشحن الدولي للمواد الخام الطبية، لتحصيل أرباح خيالية من دماء الموجوعين دون أدنى مراعاة للمسؤولية المجتمعية.
وبناء عليه، اشتعلت نيران أزمة النواقص الدوائية التي ضربت ما بين 200 و230 صنفا حيويا بصورة مصطنعة ومقصودة، بهدف إجبار المكاتب الفنية على فحص الملفات والخضوع لمطالب التسعير، متجاهلين الكوارث الصحية المترتبة على انقطاع بروتوكولات الأورام والقصور الكلوي.
وبالمثل تشكل مناورات منع الأنسولين المستورد وفرض بدائل محلية بدعوى ترشيد العملة الصعبة مقامرة غير محسوبة بعشرات الآلاف من الأطفال والشيوخ، لافتقار بعض هذه البدائل للدراسات الإكلينيكية الحقيقية والمكافئة الحيوية الموثوقة التي تحمي البنكرياس من التلف السريع.
وعلى هذا الأساس، تبرهن لغة الأرقام على زيف ادعاءات الخسائر، إذ قفزت عوائد المبيعات إلى 240 مليار جنيه خلال أول 9 أشهر، مقارنة بنحو 213 مليار جنيه لنفس الفترة من العام الفائت، محققة طفرة تجاوزت 13% بدماء المتعثرين.
تسليع الدواء يسحق الحقوق الأساسية
من جانبه، يرى الدكتور أسامة عبد الحي، أستاذ التخدير والإنعاش الجراحي بالقصر العيني، أن نزع صفة الأمان والعدالة الاجتماعية عن الخدمات الدوائية يحول المنظومة إلى تجارة دم مكشوفة، حيث تفرغ غرف العمليات والمستشفيات من المستحضرات المنقذة للحياة تباعا، مهددة حياة المرضى.
لذا تجري التضحية بصحة الملايين تحت مقصلة التسعير الديناميكي المشؤوم، الذي يربط حق البقاء بتقلبات أسعار الصرف، ويطلق يد كارتيلات التجارة في العبث بحياة الفقراء العاجزين عن تدبير قوت يومهم، ناهيك عن توفير كبسولة مضاد حيوي متدنية الجودة.
وعلى صعيد آخر، يتوارى مسؤولو الغرف التجارية خلف مبررات الزيادة السكانية والضيوف المقيمين لتبرير المليارات المتدفقة في خزائن المستوردين، بينما يعاني أصحاب الأمراض من ابتلاع المكملات الغذائية غير المسعرة لجيوبهم، وسط غياب تام للرقابة وملاحقة المحتكرين داخل أسواق التوزيع.
وبالنتيجة تحولت أروقة الصيدليات إلى ساحات معارك يومية بين صيادلة مقيدين بأسعار متغيرة باستمرار، ومواطنين مصدومين من فواتير تفوق مدخراتهم، بينما ينشغل متخذو القرار بتأمين مصالح رأس المال الطبي وتجاهل الحقوق البديهية في الرعاية الصحية الشاملة، التي تحمي المواطن من الاندثار.

