يُعيد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تسويق وعود الرحيل في سنة 2030 لامتصاص غضب الشارع المتصاعد، محاولاً تصوير انتهاء ولايته الحالية كأمر محسوم لا يقبل النقاش السياسي في دوائر الحكم.
وبينما تتكرر هذه التعهدات الشفهية أمام خريجي الأكاديمية العسكرية، يرى مراقبون أن تلك الرسائل مجرد تكرار لسيناريوهات سابقة هدفت إلى تهدئة المخاوف العامة قبل الإقدام على هندسة مسارات بديلة لترسيخ القبضة الأمنية.
صناعة الفراغ السياسي وابتلاع الدستور
وعلاوة على ذلك، يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد أن تعهدات عدم المساس بالوثيقة الدستورية تسقط أمام سوابق التعديل التي جرت في إبريل 2019 لمد البقاء بالسلطة.
ومن هذا المنطلق، يؤكد السيد أن التلويح بعدم مغادرة الدولة مع ترك المنصب يعكس رغبة حقيقية في إدارة المشهد من وراء ستار، عبر هيئات مستحدثة تضمن استمرار التحكم العسكري في القرار السيادي للدولة.
إضافة إلى ذلك، تفتقر الساحة المصرية حالياً إلى أي ضمانات إجرائية أو مؤسسية تمنع الأغلبية البرلمانية الموالية من تقديم مشاريع قوانين مفاجئة تمدد الفترات الرئاسية بدعوى الحفاظ على الاستقرار وحماية المشاريع القومية.
وبناءً عليه، تشير المعطيات الحالية إلى أن إطلاق تلك الوعود عبر وسائل الإعلام الموجهة يهدف فقط إلى قطع الطريق أمام تشكل أي جبهة معارضة تسعى لطرح بدائل مدنية قادرة على المنافسة.
هندسة السيطرة من خلف الستار
وفي السياق ذاته، يرى أستاذ العلوم السياسية والمستشار بمركز الأهرام للدراسات الدكتور عمرو الشوبكي أن الحديث المتكرر عن كوادر قادرة على تحمل المسؤولية يتناقض جذرياً مع تجريف الحياة الحزبية وتكبيل المجال العام.
وبناء على ذلك، يوضح الشوبكي أن التلويح بعبارة عدم ترك الدولة يشي بتأسيس مركز نفوذ موازٍ، يُفرغ الاستحقاق الانتخابي القادم من مضمونه الفعلي ويحوله إلى مجرد إجراء شكلي لا يحقق التداول.
واستناداً إلى ذلك، يعاني النظام من هاجس فقدان الحصانة في ظل تراكم الأزمات الداخلية، مما يدفعه إلى هندسة معادلة تضمن الحفاظ على شبكة المصالح العسكرية الاقتصادية دون تقديم تنازلات حقيقية للمجتمع.
ومن ثم، تصبح الوعود المتكررة غطاءً سياسياً لإعادة ترتيب مراكز القوى الداخلية، وتوزيع الأدوار بين الأجهزة الأمنية لحسم ملف الخلافة بما يضمن تحصين القرارات السابقة من أي ملاحقة قانونية لاحقة.
تخدير الأزمات الاقتصادية وتأجيل الانفجار
وعلى نحو متصل، يؤكد أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة باريس الدكتور أحمد السيد النجار أن استدعاء ملف البقاء السياسي في هذا التوقيت يهدف بالأساس إلى التغطية على وطأة الديون الخارجية وتدهور المعيشة.
وتبعاً لذلك، يشير النجار إلى أن تصدير الاستقرار السياسي المزعوم في أكتوبر الحالي يمثل محاولة لتطمين الدائنين وصندوق النقد الدولي، بينما الواقع يشهد تآكل الاحتياطيات وارتفاع معدلات التضخم لأرقام قياسية غير مسبوقة.
ومن زاوية أخرى، تدفع الأزمات الهيكلية الخانقة سلطة الحكم إلى محاولة شراء الوقت عبر خطابات التهدئة، خشية تحول الغضب الشعبي المكتوم بسبب انهيار العملة إلى حراك جماهيري يهدد أركان المعادلة القائمة.
وختاماً لهذا المشهد، تظل تلك التعهدات التي أطلقها المنقلب مناورة لترحيل الصراع مع الواقع، في محاولة يائسة للإبقاء على المنظومة الحاكمة دون معالجة جذور الانهيار المالي أو فتح المجال لشركاء حقيقيين لإدارة الوطن.

