تتصاعد تحذيرات القوى الوطنية حيال إعادة هندسة المجال العام لفرض البقاء الأبدي لقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في سدة الحكم عبر تكرار مناورات العقد الماضي، في وقت تشهد فيه الساحة تحركات حذرة تستهدف إحباط أي التفاف حول الاستحقاق الانتخابي المرتقب.
وتؤكد أطياف المعارضة أن الضمانة الحقيقية الوحيدة لردع هذا المسار التراجعي تكمن في فرض الرقابة الشعبية الصارمة، خصوصًا أن التجارب السابقة علمت الشارع أن الوعود الشفهية لا تصمد أمام رغبة الاستئثار الطويلة بالسلطة التنفيذية وإلغاء التعددية.
مناورات التمهيد وتكرار هندسة الدستور
وحيث إن الذاكرة السياسية تختزن وقائع تعديلات عام 2019، يرى نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو هاشم ربيع أن التعهدات القائمة بإنهاء الولاية الحالية بحلول عام 2030 تظل بلا قيمة فعلية إذا تحركت أبواق التبرير مجددًا.
لذلك يلفت الباحث عمرو هاشم ربيع إلى أن الأنماط الدعائية المعتادة تلجأ عادة إلى افتعال مقولات فراغ الساحة وغياب البدائل المؤهلة لإدارة الدولة، وذلك بهدف استدعاء وصاية استثنائية تمهد لمسار دستوري جديد يكسر الحدود الزمنية الموضوعة.
وبناءً على ذلك يحذر الأكاديمي عمرو هاشم ربيع من الضغوط التي تسبق الاستحقاقات الكبرى؛ مشيرًا إلى أن نصوص وثيقة عام 2014 قيدت الرئاسة بولايتين متتاليتين مدة كل منهما 4 سنوات فقط، قبل تفصيل مواد انتقالية تتيح التمديد.
فضلاً عن ذلك يوضح خبير مركز الأهرام عمرو هاشم ربيع أن تمرير تلك التعديلات قبل سنوات فتح الباب لولاية ثالثة تمتد 6 سنوات، الأمر الذي يضع مصداقية القانون الأساسي ومستقبل إدارة البلاد برمتها أمام اختبار تكرار ذات النهج الفردي.
غياب الضمانات وشبهات التدوير الشكلي
ومن هذا المنطلق يعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد أن الاكتفاء بالوعود اللفظية المجردة لا يوفر أي مناخ جاد لبناء انتقال حقيقي؛ مشددًا على أن السنوات القليلة المتبقية تتطلب إجراءات فورية ملموسة تكبح شهوة التمديد.
إلى جانب ذلك يرى الأكاديمي مصطفى كامل السيد أن استمرار التضييق ومحاصرة الأصوات المعارضة يفرغان أي استحقاق قادم من مضمونه، حيث لا يمكن الاطمئنان إلى مخرجات سياسية مسبقة الصنع تعيد ترسيخ النهج القديم تحت مسميات استقرار مؤسسات القيادة.
واستنادًا لتلك المعطيات يطرح الباحث عمرو هاشم ربيع فرضية استنساخ النموذج الروسي القائم على تبادل الأدوار الشكلي، مثلما جرى في تجربة ديميتري ميدفيديف وفلاديمير بوتين بين عامي 2008 و2012، حين تولى الأخير رئاسة الوزراء قبل رجوعه مجددًا إلى الرئاسة.
وعلاوة على ذلك يؤكد المحلل عمرو هاشم ربيع أن تصدير واجهة بديلة لفترة انتقالية محددة مع الاحتفاظ بمفاصل النفوذ ثم العودة إلى الواجهة في عام 2030 يمثل سيناريو التفافيًا بالغ الخطورة لتعطيل التداول الحقيقي وإبقاء الهيمنة المطلقة.
استحقاقات التغيير واختبار الشارع الحاسم
وفي غضون ذلك تطالب الحركة المدنية الديمقراطية بخطوات عملية فورية تتجاوز الوعود البراقة، وفي مقدمتها الإفراج الشامل عن كافة سجناء الرأي، وكفالة الحريات العامة، وإطلاق حوار سياسي وطني يضمن منافسة انتخابية متكافئة وعادلة تنهي سياسات الاستفراد بالقرار.
من جهته يشدد السياسي المعارض والمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي على أن العبرة الحقيقية تكمن في الممارسة الميدانية والتطبيق الواقعي؛ إذ لا يمكن تحصين البلاد من تجدد محاولات تمديد البقاء إلا بإنهاء الوصاية الأمنية على العمل الحزبي والمدني.
علاوة على ذلك يوضح القيادي حمدين صباحي أن مواجهة النوايا غير المعلنة تستلزم التمسك الصارم برفض أي مساس بقواعد التداول السلمي، محذرًا من ترك المجال لتحركات تروج لحتمية استمرار رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي إلى ما بعد استحقاق 2030.
تأسيسًا على ما تقدم فإن قوى التغيير تعتبر معركة التمسك بإنهاء الفترة الحالية اختبارًا فاصلًا للإرادة الشعبية ضد مساعي إعادة سيناريو 2019 التوسعي، وتؤكد أن استنهاض اليقظة الجماهيرية هو السبيل لكسر احتكار السلطة ومنع حملات التمديد التي تلوح في الأفق.

