استفاقت المدن الفرنسية يوم الأحد على دمار واسع النطاق وأضرار فادحة خلفتها موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية العنيفة ضد غلاء المعيشة المتصاعد وتراجع مستوى الخدمات العامة الأساسية في البلاد.

 

وشهدت احتجاجات "سبت الغضب" أعمال نهب واسعة طالت عشرات المتاجر الشهيرة وسط انهيار مبنى تاريخي عمره نحو 140 عاما، بينما تعاين السلطات الحكومية حاليا حجم الخسائر المادية الفادحة بعد ليلة عصيبة.

 

 

فوضى عارمة ونهب للمتاجر الفاخرة

 

وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة قبل 6 أشهر فقط من موعد إجراء الانتخابات الرئاسية المرتقبة في فرنسا، مما يضع السلطات التنفيذية أمام اختبار حقيقي وصعب للغاية في ضبط الشارع الغاضب.

 

وعلاوة على ذلك، تتزامن هذه الاضطرابات الواسعة مع تصاعد حدة التوتر الاجتماعي في الأوساط الشعبية، فضلا عن استمرار أزمة حكومية خانقة ناجمة بشكل مباشر عن غياب أغلبية برلمانية واضحة ومستقرة.

 

ومن جانبها، قدرت وزارة الداخلية الفرنسية إجمالي عدد المشاركين في هذه الاحتجاجات الشعبية بنحو 550 ألف شخص، والذين خرجوا في مسيرات حاشدة جابت شوارع وميادين عدة مدن فرنسية كبرى للمطالبة بحقوقهم.

 

وفي المقابل، رفع المنظمون لهذه الحركات الاحتجاجية سقف التقديرات الرسمية بشكل ملحوظ، حيث أكدوا أن أعداد المتظاهرين المشاركين في المسيرات السلمية ضد تردي الأوضاع المعيشية قد وصلت إلى نحو 800 ألف متظاهر.

 

وبالرغم من أن تلك المسيرات قد شهدت مشاركة شعبية واسعة في تحركات ذات طابع سلمي، إلا أن مجموعات متفرقة من مثيري الشغب استغلت الموقف لتنفيذ عمليات تخريب واعتداءات ممنهجة.

 

ونتيجة لذلك، طالت الاعتداءات العنيفة العديد من الممتلكات العامة والخاصة في مختلف الأحياء، مما دفع الحكومة الفرنسية إلى التعهد مجددا باتخاذ إجراءات أمنية وقانونية حازمة وصارمة بحق جميع المتورطين في الفوضى.

 

وفي سياق متصل، شهدت العاصمة باريس ومدن فرنسية كبرى أخرى اضطرابات أمنية واسعة، حيث هاجم أشخاص ملثمون مقار بلديات محلية ومراكز شرطة ومباني حكومية رسمية بشكل متزامن ومنظم خلال ساعات الليل.

 

فضلا عن ذلك، أضرم المحتجون الغاضبون النيران في عدة منشآت حيوية، كما حطموا واجهات متاجر عديدة ونهبوا كافة محتوياتها، وسط حالة من الفوضى الأمنية التي استمرت لساعات طويلة دون توقف.

 

وإثر تلك الهجمات، استخدمت قوات الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع بكثافة لتفريق مجموعات من المشاغبين، والذين أطلقوا بدورهم مقذوفات خطيرة وألعابا نارية مشتعلة باتجاه عناصر الأمن المتمركزين في الشوارع الرئيسية.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، طالت أعمال النهب المنظمة عشرات المتاجر التجارية، والتي شملت بشكل أساسي متاجر مخصصة لبيع السلع الفاخرة والملابس الراقية ومستحضرات التجميل وأجهزة الإلكترونيات الحديثة باهظة الثمن.

 

كما استهدفت مجموعات صغيرة ومنظمة متاجر شهيرة للغاية، من بينها متجر جاليري لافاييت وعلامة لويس فيتون، وذلك بعد قيامهم بتعطيل كاميرات المراقبة الأمنية وتحطيم الواجهات الزجاجية المؤمنة بالكامل لسرقة البضائع.

 

 

احتراق مبنى تاريخي وخسائر بشرية

 

ومن ناحية أخرى، امتدت أعمال التخريب والعنف لتشمل مدن مرسيليا وليل وبوردو وليون وغرونوبل، حيث خرجت المسيرات في تلك المناطق عن مسارها السلمي وتحولت إلى مواجهات عنيفة ومباشرة مع قوات الأمن.

 

وفي غضون ذلك، اندلع حريق كبير وهائل بمدينة ليموج الواقعة وسط البلاد داخل مبنى البلدية التاريخي، والذي يعود تاريخ تشييده إلى القرن الـ 19 ويبلغ عمره نحو 140 عاما من الزمن.

 

وحول هذا الحادث، أفادت السلطات المحلية في مدينة ليموج بأن ألسنة النيران المتصاعدة قد دمرت جزءا كبيرا من هذا المبنى الأثري، مما أدى إلى انهيار أجزاء واسعة من هيكله المعماري التاريخي.

 

وإلى جانب ذلك، تعرضت مباني بلديات أخرى ومقار حكومية خدمية ومنشآت سياحية بارزة لعمليات تخريب متعمدة واقتحامات عنيفة، الأمر الذي ضاعف من حجم الكارثة التي حلت بالمرافق العامة في الدولة.

 

وفي تطور لافت داخل العاصمة باريس، هاجم نحو 100 متظاهر غاضب مقر قناة سي نيوز التلفزيونية، وهي المؤسسة الإعلامية المملوكة لرجل الأعمال المحافظ فانسان بولوريه، وسط هتافات معادية لسياسات القناة الإخبارية.

 

ووفقا لتقارير الشرطة الفرنسية، ألقى المتظاهرون المهاجمون مقذوفات صلبة على الواجهة الأمامية لمقر القناة التلفزيونية، مما تسبب في وقوع أضرار مادية جسيمة بالمبنى قبل تدخل الوحدات الأمنية لتفريقهم وإنهاء الحصار.

 

وعلى الصعيد الأمني، أعلنت السلطات الفرنسية المختصة عن توقيف نحو 1200 شخص خلال الاحتجاجات وأعمال الشغب الليلية، والذين يجري التحقيق معهم حاليا تمهيدا لتقديمهم إلى المحاكمة العاجلة بتهم التخريب والنهب.

 

وبالتزامن مع حملة التوقيفات، أصيب نحو 150 عنصرا من قوات الأمن بجروح متفاوتة الخطورة خلال المواجهات المباشرة مع المحتجين، حيث تم نقل العديد منهم إلى المستشفيات لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

 

وفي حادثة مأساوية بمدينة سانت إتيان، تعرض فتى يبلغ من العمر 17 عاما لبتر في يده اليمنى، وذلك إثر انفجار قنبلة صوتية استخدمتها قوات الشرطة لتفريق الحشود الغاضبة في الشوارع.

 

ومن جهتها، أكدت وكالة فرانس برس للأنباء أن أعمال العنف الأخيرة قد تجاوزت، من حيث حدتها وخطورتها، كافة الاضطرابات السابقة التي شهدتها البلاد خلال احتجاجات عام 2023 ضد إصلاح نظام التقاعد.

 

فضلا عن ذلك، تخطت هذه الموجة العنيفة في حجمها وتأثيرها تحركات السترات الصفراء الشهيرة، والتي هزت أركان الدولة الفرنسية واستمرت لفترات طويلة خلال عامي 2018 و 2019 اعتراضا على السياسات الاقتصادية.

 

 

تداعيات اقتصادية واستقطاب سياسي حاد

 

وبناء على تلك المعطيات، حذرت السلطات الحكومية من أن الخسائر المالية النهائية ستكون باهظة للغاية، في وقت تعاني فيه الميزانية العامة للدولة من ضغوط اقتصادية متزايدة وتحديات مالية معقدة.

 

وفي السياق ذاته، توقع رئيس اتحاد التجارة والتوزيع، ألكسندر بومبار، حدوث تداعيات اقتصادية ومالية كبيرة وخطيرة على كافة الشركات والمؤسسات والأنشطة التجارية التي تضررت بشكل مباشر من عمليات النهب والحرق.

 

وعقب زيارة ليلية تفقدية لقوات الأمن، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إن عدم وقوع حصيلة أكبر من الإصابات البشرية والخسائر يمثل أمرا لافتا، خاصة مع استمرار العنف حتى ساعات متأخرة.

 

ومن جانبه، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر منصة إكس بملاحقة كل شخص ارتكب أعمال تخريب، أو اعتدى على مؤسسات وشركات، أو شارك بأي شكل في عمليات النهب والسرقة الموصوفة.

 

كما شدد الرئيس الفرنسي في رسالته على أنه لا مكان للعنف في البلاد، داعيا جميع المواطنين الفرنسيين إلى الوقوف صفا واحدا ضد كل من يسعون لتدمير المؤسسات ومنع التعبير السلمي.

 

وعلى الصعيد السياسي، أدانت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن أعمال الشغب بشدة، واتهمت حزب منافسها اليساري جان لوك ميلانشون بتبرير العنف، متعهدة بحماية الفرنسيين من عنف اليسار الراديكالي حال فوزها بالرئاسة.

 

وفي المقابل، دعا السياسي اليساري جان لوك ميلانشون جميع المشاركين في الاحتجاجات الشعبية إلى الابتعاد التام عن عمليات النهب، معتبرا أن هذه الممارسات التخريبية تتعارض كليا مع أساليب حركته السياسية السلمية.

 

وهكذا تتصاعد حدة المنافسة السياسية بين مارين لوبن وجان لوك ميلانشون مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، وسط استطلاعات رأي حديثة تشير إلى احتمال مواجهتهما معا في الجولة الثانية والحاسمة من السباق.

 

وعلى المستوى الدولي، اعتبر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن الهجرة وضعف الاندماج يمثلان سببا رئيسيا لأعمال الشغب، ناشرًا مقطعا مصورا يظهر احتراق بلدية ليموج لانتقاد سياسات التنوع بالدول الغربية.

 

وختاما، دعا المسؤول الأمريكي فرنسا إلى وقف هذا الجنون قبل أن تطال الحرائق معالمها، في تصريحات أضافت بعدا دوليا لأزمة داخلية تتشابك فيها المطالب المعيشية مع التوترات الاجتماعية والاستقطاب الحزبي الحاد.