سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
مفاجأة كبرى تلك التي فجّرها رأس السلطة في مصر، عبد الفتاح السيسي، بتأكيد مغادرته السلطة في الموعد المقرّر لانتهاء ولايته عام 2030. وأول ما يجب التوقف عنده في الخطاب الذي أعلن فيه هذه الخطوة، إشارته إلى مناقشتها مع اثنين من الإعلاميين ومطالبة أحدهما له بعدم إعلانها، ما يعني أن الأمر لم يكن مُرتبًا أو على الأقل لم يمرّ بالمسارات التقليدية والمراحل المعتادة في طرحه للرأي العام. ربما لسبب طارئ استجدّ في رؤى السيسي وتقديراته لدوره وموقعه في المشهد المصري الحالي والمستقبلي. وهو ما ألمح إليه الأسبوع الماضي، بإشارته إلى ثقل مسؤولية الحكم وصعوبات قيادة أكثر من مائة مليون نسمة. قبل أن يُرفق بتصريحه عن مغادرة منصب الرئيس، نفي مباشر لدور أو منصب محتمل لأحد من أسرته. وهي من المرّات النادرة التي يتطرّق فيها إلى ما يتردّد عن أدوار أفراد أسرته أو أنشطتهم، وبخاصة نجله محمود الذي يشغل منصبًا مهمًا في جهاز المخابرات العامة.
وبتكراره الحديث عن مغادرة منصب الرئيس، قبل الموعد المقرّر بأكثر من ثلاثة أعوام، وحرصه على نفي احتمالات التوريث، يبدو أن اتجاه السيسي إلى هذا الخيار لم يكن طوعيًا بالضرورة. إذ بدا، وهو يُشير إلى صعوبة الحكم وثقل المسؤولية، كمن يُبرّر أو يتعلّل. ما يثير التساؤل عن مدى "الاضطرار" أو "الإجبار" وراء بلورة الفكرة على نحو عاجل ومفاجئ، كما لو كانت مخرجًا من مأزق ما أو استجابة لضغوط مفاجئة وشديدة غير قابلة للمقاومة.
غير واضحة الدوافع (أو القوى أو الأطراف) التي فرضت المغادرة على السيسي، وإن كانت خارجية أو داخلية. لكن الواضح أنه وُضع أمام مفاضلة مستحيلة، بين خروج آمن وإخراج مُهين. وبفضل السيسي خارجيًا واستجاباته للتطورات المهمة والأزمات المتلاحقة في غزّة والخليج وسورية والسودان والبحر الأحمر؛ يحظى بقبول ودعم خارجي إقليمي وعالمي. لذا، الأرجح أن العوامل الضاغطة لإبعاده عن الحكم، داخلية بالأساس، تحديدًا مؤسسات القوة الخشنة. فالآلية التي اقترحها السيسي لاختيار رئيس لمصر من بعده، تمنح المؤسّسة العسكرية سلطة تحديد المقبولين للترشح إلى الرئاسة، أي عملية تصفية مسبقة للمؤهلين، وفقًا لشروط ومعايير تحدّد المؤسسة مدى توفّرها في المتقدّمين.
تلك الآلية مَعيبة دستوريًا، لافتقادها شروط تكافؤ الفرص وعدالة المعايير والمساواة بين المواطنين. غير أن دلالتها السياسية لا تقل خطورة عن افتقادها الشرعية الدستورية. فتنصيب المؤسّسة العسكرية "قاضيًا" يمنح أو يمنع الحق في الترشح للرئاسة؛ ليس إلا شرعنة لدور أبوي جديد تتجاوز به المؤسسة أدوارها السابقة التي تطورت من الحماية العسكرية إلى المظلة الراعية للدولة، ثم القوة الجبرية الضابطة للمسار السياسي عند الضرورة، حسب رؤاها وتقديراتها لتلك الضرورة، ليصبح الدور الجديد أكثر تحديدًا وتفصيلًا وسيطرة على آلية التصعيد نحو أعلى منصب تنفيذي بالدولة.
ربما كانت الشروط المبدئية التي اقترحها السيسي قابلة للتطوير والتعديل، غير أن الخطورة الكارثية تكمن في الجوهر، أيًا كانت صياغته، الذي يقضي بتخويل المؤسّسة العسكرية حصرًا، عملية التأهيل والتقييم والفرز، ما يُعَدّ خطوة متقدمة لتأطير دور سياسي مباشر وصريح ومقنن، وقفزة إجرائية نحو احتكار تحديد من يحكم مصر، مقابل التخلي عن فرض شخص عسكري رئيسًا، وإن ظل هذا واردًا أيضًا.
إن طُبقت هذه الآلية بالفعل، فسيصبح النظام السياسي المصري نسخة مُنقّحة جزئيًا من نظام ولاية الفقيه الإيراني، مع تغيير طبيعة الولاية لتكون عسكرية بدلًا من الدينية. تُرى، هل يحضّر السيسي نفسه للإشراف على تلك الآلية، ليصير هو "الولي العسكري"؟

