تلتهم قرارات الإخلاء القسري المتتالية أراضي المواطنين في شبه جزيرة سيناء بعد نزع ملكية 633.09 فدانا بالتفاصيل الكاملة لصالح مشروع خط سكة حديد العريش–طابا دون مراعاة للاستقرار الاجتماعي بالمنطقة.

 

وتفرض السلطات التنفيذية عبر القرارين رقم 1031 ورقم 2801 لسنة 2026 أمرا واقعا يصادر أكثر من 2.65 مليون متر مربع من أملاك الأهالي تحت ذريعة تنفيذ مشروعات المنفعة العامة.

 

 

التوسع الجغرافي لقرارات المصادرة القسرية

 

وبالإضافة إلى ذلك، يقتطع القرار الحكومي الجديد رقم 2801 لسنة 2026 مساحة إضافية تبلغ 22.23 فدانا لتنفيذ المرحلة الثانية من الخط الحديدي، ما يعمق جراح السكان المحليين المهددين بفقدان ممتلكاتهم.

 

ومن جهة أخرى، تتوزع هذه المساحات المنتزعة حديثا بإجمالي 93,350.06 مترا مربعا بين محافظتي شمال وجنوب سيناء، لتفرض طوقا جديدا من التضييق العمراني والزراعي على الأهالي في ثلاث مناطق حيوية.

 

وعلاوة على ما سبق، ترصد دراسة صادرة عن مؤسسة ديوان العمران استحواذ مركز الحسنة بمحافظة شمال سيناء على النصيب الأكبر من هذا القرار بمساحة 48,192.26 مترا مربعا، وهو ما يعادل 11.47 فدانا.

 

وفي السياق ذاته، يلتهم المسار الجديد في مركز نخل التابع لمحافظة شمال سيناء مساحة تقدر بنحو 42,174.99 مترا مربعا، بما يعادل 10.04 فدانا من الأراضي التي يعتمد عليها السكان المحليون.

 

وفضلا عن ذلك، تمتد عمليات المصادرة جنوبا لتطال منطقة طابا بمحافظة جنوب سيناء عبر انتزاع مساحة تبلغ 2,982.81 مترا مربعا، أي ما يعادل 0.71 فدان، لاستكمال المسار الحديدي المستهدف.

 

ومن ناحية أخرى، يستند هذا التوسع إلى القرار الأضخم رقم 1031 لسنة 2026 الصادر يوم 9 مايو 2026، والذي استهدف المرحلة الأولى من خط الفردان–بئر العبد–العريش–طابا شاملا وصلتي بالوظة وميناء العريش.

 

وبالتوازي مع ذلك، صادر القرار الأول مساحات شاسعة في 5 مناطق بمحافظة شمال سيناء بلغت 2,565,631.50 مترا مربعا، وهو ما يعادل 610.86 فدانا جرى ضمها قسرا لصالح مشروعات وزارة النقل.

 

وعلى الصعيد الميداني، تتصدر منطقة العريش قائمة المناطق المتضررة في المرحلة الأولى باستحواذ المشروع على 1,536,245 مترا مربعا من أراضيها، بما يعادل 365.77 فدانا جرى انتزاعها من أصحابها الأصليين.

 

وإلى جانب العريش، تشمل المصادرات منطقة بئر العبد بمساحة 401,645 مترا مربعا بما يعادل 95.63 فدانا، ومنطقة الميدان بمساحة 364,487 مترا مربعا بما يعادل 86.78 فدانا من أملاك المواطنين.

 

وكذلك الأمر، تطال القرارات منطقة مزار بمساحة 261,216.50 مترا مربعا تعادل 62.19 فدانا، ومنطقة رمانة بمساحة 2,038 مترا مربعا تعادل 0.49 فدان، ليرتفع الإجمالي في 8 مناطق إلى 2,658,981.56 مترا مربعا.

 

وفي هذا الإطار، يوضح الباحث في العمران والتخطيط الإقليمي الدكتور يحيى شوكت أن التوسع في استخدام قوانين المنفعة العامة لانتزاع الأراضي في سيناء يتجاهل الحقوق التاريخية والاجتماعية للسكان المحليين ويفاقم أزماتهم المعيشية.

 

 

التبعات الاقتصادية والاجتماعية للتعويضات الهزيلة

 

وعلى صعيد متصل، يستحوذ القرار رقم 1031 لسنة 2026 على نسبة 96.5% من إجمالي المساحات المنتزعة، بينما يمثل القرار الجديد رقم 2801 لسنة 2026 نحو 3.5% من جملة الأراضي المصادرة بالمشروع.

 

ونتيجة لهذه السياسات، تواجه 115 أسرة تضم 460 شخصا مصيرا مجهولا بعد إدراج ممتلكاتهم ضمن نطاق الإزالة في المرحلة الثانية، موزعين بواقع 8 أسر في الحسنة و53 في نخل و54 بطابا.

 

ورغم ضخامة الأضرار، تقدر الجهات الحكومية إجمالي التعويضات المسجلة لهؤلاء المتضررين بنحو 40 مليون جنيه مصري فقط، وفق التقرير المبدئي الصادر عن استشاري الهيئة المصرية العامة للمساحة لتثمين الأراضي المنزوعة.

 

ومع ذلك، تؤكد دراسة مؤسسة ديوان العمران أن رصد هذه الأرقام في القرارات الرسمية لا يعني بالضرورة اكتمال إجراءات نزع الملكية أو التزام الدولة بصرف التعويضات الفعلية لجميع الأهالي المتضررين.

 

وفي مقابل هذا التقتير، تضخ الحكومة تعويضات تبلغ 6.6 مليار جنيه لنزع ملكية 80 فدانا فقط لإنشاء محور المرج، ما يبرز التفاوت الصارخ في تقييم أراضي المواطنين بين المحافظات المختلفة.

 

ولمواجهة هذا التعسف، ترسخ أحكام محكمة النقض والنيابة العامة مبدأ قانونيا ينصف المواطنين ويؤكد أن الحق في تقاضي التعويض العادل عن نزع الملكية للمنفعة العامة لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن.

 

وتعقيبا على تلك التقديرات، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور زهدي الشامي أن فرض تعويضات مالية هزيلة لا تتناسب مع القيمة السوقية الحقيقية للأراضي ومعدلات التضخم يمثل مصادرة غير مباشرة لأموال المواطنين وإفقارا متعمدا للأسر.

 

وبالإضافة إلى ما ذكر، يرى الشامي أن تأخير صرف مستحقات الأهالي لسنوات طويلة يفقد العملة المحلية قيمتها الشرائية، ما يحرم المتضررين من القدرة على شراء مساكن أو أراض بديلة تكفل استقرارهم.

 

 

عسكرة المشروعات التنموية وتجاهل الأولويات

 

ومن زاوية أخرى، يمنح القرار رقم 1031 لسنة 2026 المنشور في الجريدة الرسمية بالعدد 19 يوم 9 مايو 2026 سلطة الاستيلاء المباشر على الأراضي اللازمة للمشروع لصالح الهيئة القومية لسكك حديد مصر.

 

وبناء على ذلك، تفصل المذكرة الإيضاحية الصادرة عن وزارة النقل خلفية المشروع وحجم التعارضات القائمة، مع تحديد قيمة التعويض المبدئي والمرفقات المطلوبة لتبرير إضفاء صفة النفع العام على المرحلة الأولى.

 

واستكمالا لهذا النهج، يفرض القرار الثاني رقم 2801 لسنة 2026 المنشور في الجريدة الرسمية بالعدد 42 بتاريخ 15 أكتوبر 2026 صفة المنفعة العامة على المسافة الممتدة من العريش حتى النقب بالمرحلة الثانية.

 

وتبريرا لهذه الإجراءات، تزعم المذكرة الإيضاحية لوزارة النقل أن المشروع يندرج ضمن توجيهات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت على حساب أملاك الأهالي.

 

وفي السياق نفسه، تتذرع الوزارة بتنفيذ 8 ممرات لوجيستية تنموية متكاملة لربط مناطق الإنتاج الصناعي والزراعي والتعديني والخدمي بالموانئ البحرية عبر وسائل نقل سريعة تمر بالموانئ الجافة وأهمها ممر العريش–طابا.

 

وبالعودة إلى الجذور، يرتبط هذا المخطط بقرار رئيس الوزراء الأسبق رقم 836 لسنة 1997 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 21 أبريل 1997 لإنشاء خط الإسماعيلية–رفح وكوبري الفردان بطول 225 كم.

 

وحينها، شمل القرار القديم انتزاع مساحة 2450 فدانا في 13 منطقة هي الفردان والقنطرة شرق وجلبانة ورمانة ونجيلة وبئر العبد ومصفق ومزار والميدان والمساعيد والعريش والشيخ زويد ورفح.

 

ولتسريع التنفيذ الحالي، تكلف الحكومة الهيئة العامة للطرق والكباري بإنجاز أعمال الجسر الترابي والأعمال الصناعية لمشروع إنشاء خط سكة حديد بئر العبد–العريش–طابا وسط غياب تام للمشاركة المجتمعية في سيناء.

 

وفي هذا الصدد، يشدد الباحث في شؤون سيناء مهند صبري على أن إدارة المشروعات الكبرى في شبه الجزيرة بعقلية أمنية فوقية تقصي السكان الأصليين وتطيح بمصالحهم الاقتصادية لصالح خطط استثمارية لا تخدمهم.